نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - الشرح والتفسير هذه الوصيّة ممّن وإلى من؟
لِلدُّنْيَا [١]، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى، وَالظَّاعِنِ [٢] عَنْهَا غَداً».
فالإمام عليه السلام عندما ينطلق بذكر هذه الصفات لنفسه يهدف منها تحقيق عدّة أمور:
الأوّل: أن يُفهم ولده بأنّني عندما أكتب هذه الوصية لك فإنّني أحمل معي تجارب كثيرة حصلت عليها بمرور الزمان، والآخر: أنّ القائل لهذه النصائح تحدّث بلغة التواضع ولم يتكلّم من موقع الفوقية والاستعلاء، وهذا من شأنه أن يؤثّر إيجاباً في نفس المخاطب، الثالث: أن يعلم ولده بأنّه عمّا قريب سيكون أباً ولابدّ أن يشعر بمسؤولية الوالد ويدرك هذه الحقيقة، ودرك هذه الحقيقة يجعله مستعدّاً لقبول هذه المواعظ.
والتعبير ب «فانِ» (وهي في الأصل «فانّي» ولكن حذفت الياء لمزيد التجانس مع الجمل اللاحقة) إشارة إلى أنّني قضيت الشطر الأكبر من عمري، وأنا الآن في مرحلة الرحيل من هذه الدنيا، لأنّ الإمام عليه السلام تحدّث بهذا الكلام في وقت كان قد بلغ من العمر حسب الظاهر ستّين سنة.
وجملة: «الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ» إشارة إلى الحوادث والأزمات الصعبة والحوادث المرّة والحلوة التي يواجهها الإنسان في حركة الحياة والواقع.
وجملة: «الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ» تأكيد على أنّني أسير في منزلق نهاية العمر، وجملة:
«الْمُسْتَسْلِمِ لِلدُّنْيَا» إشارة إلى غلبة الحوادث والوقائع على إرادة الإنسان.
وجملة «السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى» إشارة إلى أنّ المساكن التي نسكنها هي في الغالب من بناء وتشييد السابقين، فأولئك بنوا هذا الدور ونحن سكنّا فيها وأحياناً نبني ويسكنها اللاحقون.
وأخيراً جملة: «وَالظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً» إشارة إلى قرب لحظة الرحيل من هذه الدنيا، يعني أنني عندما أكتب لك هذه الوصية أعلم بجميع هذه الخصوصيات والمفارقات.
[١]. ورد في الكثير من النصوص والشروح لنهج البلاغة بعد هذه الصفة صفة أخرى وهي «الذامُّ لِلدُّنْيا» وحينئذٍ تبلغ صفات الدنيا في هذا المقطع إلى سبع صفات.
[٢]. «الظّاعِن» بمعنى المنتقل، من «الظعن» على وزن «طعن» وتعني الانتقال من مكان إلى آخر.