نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥ - الشرح والتفسير الامتيازات النادرة
إيّاها- إلى أن قال- ياأسماء ألا ابشّركِ؟ قالت: بلى، بأبي أنت وامّي، قال صلى الله عليه و آله: فإنّ اللَّه عزّ وجلّ جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة، قالت: بأبي أنت وامّي يارسول اللَّه، فأعلم الناس ذلك، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأخذ بيدي يمسح بيده على رأسي حتى رقى على المنبر، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى، والحزن يعرف عليه، فتكلّم وقال: «إنّ المَرْءَ كَثِيرٌ بأخِيهِ وابنِ عَمِّه، ألا إنَّ جَعْفراً قَدِ اسْتُشْهِدَ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ جَناحَيْنِ يَطيرُ بِهِما فِى الْجَنَّةِ» [١].
وبعد أنّ يستعرض الإمام عليّ عليه السلام هذين الموردين المتميّزين من فضائل بني هاشم، يتحدّث ببيان كلّي، ويقول: «وَلَوْ لَامَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا تَمُجُّهَا [٢] آذَانُ السَّامِعِينَ».
وهذا إشارة إلى أنّ فضائلنا أهل البيت عليهم السلام قد ملأت الخافقين وليست فضيلة واحدة أو عدد قليل من الفضائل، بل هي من الشهرة والشياع إلى درجة أنّه لا يعرفها المؤمنون فحسب، بل حتّى المنافقين والغرباء عن الإسلام على معرفة بها وقد سمعها الكثير من النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، وإن كنت (معاوية) لا تعرفها، ولكن نظراً لحمل البعض بذكر هذه الفضائل، على مدح الذات وتزكية النفس، فأنا أكتفي بهذا المقدار وأغضّ النظر عن سائر الفضائل الكثيرة، وأترك الحكم إلى المؤمنين وأصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله الخاصين حيث يتواجد الكثير منهم لحدّ الآن بين المسلمين.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في نهاية هذا المقطع من الرسالة يهيب بمعاوية ويقول: «فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ [٣] فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا».
[١]. شرح نهجالبلاغة للتستري، ج ٣، ص ١١١؛ شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٥، ص ٧١.
[٢]. «تَمَجُّ» من مادة «مج» على وزن «حج» بمعنى قذف شيء من السوائل من الفم، ثم استخدمت هذه المفردة في سماع الكلام غير الملائم، والجملة أعلاه تعني أنّ الآذان لا تمتنع ولا تأبى استماع هذه الفضائل بل تقبلها.
[٣]. «رَمِيّة» بمعنى الصيد الذي يناله الإنسان بالرمي، وجمعه «رمايا»، وجملة «مَنْ مالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ» إشارة إلى الشخص الذي يطلب صيداً ويجعله ذلك الصيد ينحرف عن مساره الأصلي وربّما يتيه في الصحراء، فيقول الإمام عليه السلام بهذا الكلام لمعاوية إنّ أشخاصاً مثل عمرو بن العاص يطلبون صيداً من المقام والمال والجاه، ولذلك انحرفوا عن جادة الحق ولا ينبغي أن تسلم زمام أمورك بيد هؤلاء الظالمين.