نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٢ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
وعلى ضوء ذلك، فلا داعي لحمل هذه الجملة على أنّها ناظرة للعلاقة بين الناس والحكّام، والقول بأنّ بعض الناس- فيما يتّصل بالشأن السياسيّ والاجتماعي وما إلى ذلك- لا يتحرّكون على مستوى الانسجام مع برنامج الحكومة ويتعاملون مع الخطط والمناهج التي تقرّرها الدولة من موقع اللامبالاة وعدم الاهتمام، فهؤلاء في الحقيقة مخالفون لهذا النظام وأعداء لذلك المنهج [١]، وبخاصّة إذا رأينا أنّ أجواء هذه الوصية لا يرتبط بمقولة العلاقة بين الحاكم والمحكومين، بل بين أفراد المجتمع أنفسهم.
الثامنة عشر: يقول الإمام عليه السلام في هذه التوصية المثمرة: «قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً، إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً».
وهذا يعني أنّ الإنسان أحياناً يسعى للتوصّل إلى هدفه وغايته، ويطمع أن ينال بغيته، في حين أنّ اللَّه تعالى يعلم أنّ ذلك مضرٌّ له وفيه خسارته، وبذلك يحرمه من تحقيق غايته، وفي هذا المورد، وإن لم يصل هذا الشخص ظاهراً إلى غايته وهدفه، إلّا أنّه في الحقيقة حصل على الهدف الحقيقي وهو السلامة والمنفعة الحقيقية الكامنة في وجدانه، وعلى ذلك لا ينبغي أن يعيش الإنسان حالات اليأس وفقدان الأمل في عدم الوصول إلى النتيجة ويحسب أنّ ذلك خسارة وإخفاقاً، بل تعدّ هذه الظاهرة في كثير من الموارد نجاحاً وتوفيقاً.
التاسعة عشر: يقول الإمام عليه السلام: «لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ».
هناك احتمالات عدّة في تفسير هذه العبارة: الاحتمال الأول: إنّه إذا كنت تعتقد بأنّ البعض ذو شخصية كاملة حسب الظاهر ولا نقص ولا عيب فيه، فلا تغترّ بهذه الحالة الظاهرية، لأنّه ربّما كانت هناك عيوب خفيّة لم تظهر لك، وعليه ينبغي الاحتياط على كلّ حال، وهذا ما ذهب إليه جماعة من شرّاح نهجالبلاغة.
[١]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد و شرح نهجالبلاغة الشيخ مغنية.