نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - الشرح والتفسير
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى نقطة أخرى ويقول: «ثُمَّ أَشْفَقْتُ [١] أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَاآمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ».
وخلاصة كلام الإمام عليه السلام هو أنّني في هذه الوصية بيّنت بالدليل والبرهان زيف العقائد الباطلة والآراء الموهومة رغم أنّ طرح مثل هذه العقائد الباطلة وشبهات المنحرفين ليس محبّباً، ولكنّ الضرورة تستوجب أن أطرح مثل هذه المقولات وأُجيب عنها، لأنّ هذا العمل أفضل من أن أقوم بإخفائها والتستّر عليها، وربّما تبتلى أنت بها في يوم من الأيّام ولا يمكنك الإجابة عنها.
إنّ هذا الهاجس يعيشه جميع المعلّمين والمربّين من أهل العلم والاطّلاع، فإنّهم لو لم يطرحوا شبهات الضالّين فيخشى على الطرف المقابل ممّن يرومون تربيته وتعليمه أن يقع يوماً في شباك هذه الشبهات، ومن هذا المنطلق يسعون لعرض تلك الشبهات، وعلى الأقلّ المهمّ منها بشكل كلّي والإجابة عنه بشكل حاسم.
وهذه العبارة يمكن أن تكون استمراراً لكلام الإمام عليه السلام حيث يعود إلى القرآن الكريم وبيان أهميته، فيقول: إنّني استوحي من آيات القرآن الكريم الأدلّة والبراهين على بطلان هذه العقائد الفاسدة واقدّمها لك لئلّا تتوّرط يوماً بشبهات الفاسدين والمفسدين.
ويحتمل أن تكون هذه العبارة جملة مستقلّة، يعني مضافاً إلى أنني أرى لزوم تعليمك كتاب اللَّه وتفسيره ومعرفة حلاله وحرامه وأحكامه، أرى أيضاً لزوم
[١]. «شفقة» تأتي في مثل هذه الموارد مرادفة للخوف، في حين أنّ معناها الأصلي على حدّ قول بعض الادباءالتوجّه للشيء المقترن بالخوف، أو بعبارة أخرى الخوف مقترن بالحبّ والاحترام والأمل، لأنّ هذه الكلمة في الأصل من مادة «شفق» وهو ضوء الصبح الباكر الممتزج بالظلام، غاية الأمر أنّ هذه المفردة إذا جاءت مع «من» المتعدّية فإنّ جهة الخوف ستكون غالبة في العبارة مورد البحث، وعندما تأتي متعدّية بحرف «في» و «على»، فإنّ المودّة والشفقة ستكون الغالبة، كأن يقول الإنسان لصديقه: «انَا مُشْفِقُ عَلَيْكَ».