نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٢ - الشرح والتفسير الدنيا الخدّاعة وأهلها
ويستطرد الإمام عليه السلام في كلامه في بيان الدنيا وحالاتها، فيقسّم أهل الدنيا إلى أربع طوائف ويقول: «فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ [١]، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ [٢]، يَهِرُّ [٣] بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا، نَعَمٌ [٤] مُعَقَّلَةٌ [٥]، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ [٦]».
والحقيقة أنّ هذا التقسيم رائع ودقيق جدّاً:
إنّ الإمام عليه السلام يشبّه طائفة من الناس من أهل الدنيا بالكلاب التي اجتمعت حول جيفة وكلّ واحد منها يريد الاستحواذ عليها، فينبح على سائر الكلاب ويريد إبعادها عن هذه الجيفة، والمصداق البارز لهذه الطائفة الأثرياء والمترفين الذين يعيشون الغفلة عن اللَّه تعالى ويسعون دوماً لجمع الثروات واكتناز الأموال وإقصاء الآخرين عن طريقهم، فأحياناً يصرخون بوجوههم، وأُخرى يلتجئون إلى المحاكم ويسعون من خلال المحامين المنحازين أن يستحوذوا على أموال الآخرين بصيغ قانونية، ونرى مثل هذه الحالة من التنافس بين الحكومات والدول من خلال الحرب الباردة وأجهزة الإعلام الكاذب حيث يسعون لاحتكار أسواق بلدان العالم الثالث والهيمنة والسيطرة على ثروات الشعوب الأخرى.
وطائفة من أهل الدنيا يتمثّلون في عصرنا بالحكومات الاستكبارية وأصحاب القدرة والنفوذ، (أو الأثرياء الذين يدعمون مثل هذه الحكومات) فنراهم يعيشون دوماً حالات التنافس غير المشروع ويسعون لنهب مصادر الثروة من الآخر، وفي كثير من الأحايين يشعلون الحروب المدمّرة من أجل التوصّل إلى مقصودهم، ويسفكون دماء الآف الأبرياء ويدمّرون المدن والقرى، أجل، هؤلاء الذئاب العاوية
[١]. «عاوِيَة» بمعنى الكلاب التي تعوي.
[٢]. «ضارِيَة» بمعنى المتوحشة، وهي من مادة «ضرو» على وزن «ضرب» وتعني حالة التوحش في النفس.
[٣]. «يَهِرّ» من «الهرير» وتعني العواء والنباح.
[٤]. «نعَم» الدواب وغالباً تطلق هذه الكلمة على الإبل (وتأتي هذه المفردة أحياناً بمعنى المفرد أو أخرى بمعنىالجمع، وفي هذه الجملة تشمل الإبل والبقر والغنم).
[٥]. «مُعَقّلةً» وهي المشدودة بالعقال، والعقال حبل خاصّ تربط به رجل البعير حول ركبته.
[٦]. «مُهْمَلَة» يعني المتروكة، وهنا تعني الحيوان المتروك لحاله.