نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٣ - الشرح والتفسير الدنيا الخدّاعة وأهلها
يتصارعون فيما بينهم على جيفة الدنيا، ويسحق الأقوياء منهم حقوق الضعفاء، ويتحرّك الكبار في إزاحة الصغار من طريقهم.
أمّا الطائفة الثالثة، فهم جماعة لا يملكون شيئاً من النفوذ والقدرة، ولكن نراهم لا يمتنعون من أية ذلّة من أجل تحقيق متاع الدنيا، فيتعاملون مع أصحاب النفوذ والمستكبرين من موقع العبودية والخنوع والخضوع.
الطائفة الرابعة تعيش كالحيوانات المتمرّدة والمتوحّشة التي تعيش في البراري والقفار، وعلى حدّ تعبير الإمام عليه السلام في كلامه: «قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ [١] عَاهَةٍ [٢] بِوَادٍ وَعْثٍ [٣]».
ثمّ يضيف: «لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا، وَلَا مُسِيمٌ [٤] يُسِيمُهَا، سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى فَتَاهُوا [٥] فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، اتَّخَذُوهَا رَبّاً، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا».
هؤلاء هم الفئة التي تعيش في كلّ زمان بخاصّة في عالمنا المعاصر، حيث تتّخذ من العالم ميداناً لجولاتها وتتحرّك في كلّ مكان على مستوى الإفساد والتخريب، ويعيشون حالة الشغف اللامحدود بالمال والثروة والجاه والمقام، قد أعموا عيونهم عن رؤية الحقائق، وأصمّوا آذانهم عن سماعهم كلمة الحقّ وغرقوا في النعم المادية من الذهب والثروات والمجوهرات والدرهم والدينار، وهؤلاء عبدة الدرهم والدينار الذين يشعلون نار الحرب من أجل تحقيق مطامعهم الدنيوية، وأحياناً يصنعون أسلحة الدمار الشامل ويبيعونها بأثمان باهظة لهذا وذاك ويوقدون نار الفتنة بينهم، فهؤلاء أضحوا العوبة بيد الدنيا والدنيا العوبة بيدهم، ومن هذه الجهة نسوا اللَّه
[١]. «سُرُوح» جمع «سرح» على وزن «شرح» وهو الحيوان الذي ترك في الصحراء ليأكل ويرعى.
[٢]. «عاهة» بمعنى الآفة والعيب.
[٣]. «وَعْث» يعني الطريق التي يسير فيها الشخص بصعوبة.
[٤]. «مُسيم» وهو الشخص الذي يسوق الحيوانات للرعي، وهي من «السوْم» على وزن «صوم» ويعني الرعي.
[٥]. «تاهوا» من «التيه» وهو الحيرة والتيه.