نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٦ - الشرح والتفسير سبع وعشرون موعظة ثمينة
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لمّا دعا نوح عليه السلام ربّه عزّ وجلّ على قومه أتاه إبليس لعنه اللَّه فقال: يا نوح إنّ لك عندي يداً اريد أن اكافيك عليها، فقال له نوح عليه السلام: إنّه يبغض إليَّ أن يكون لك عندي يدٌ فما هي؟ قال: بلى، دعوتَ على قومك فأغرقتهم، فلم يبق أحد اغويه، فأنا مستريح حتّى يظهر قرن آخر واغويهم، فقال نوح عليه السلام:
ماالذي تريد أن تكافئني به؟ (وفي بعض الروايات أن اللَّه عزّ وجلّ أوحى إلى نوح أن كلّمه واسأله فإنّي سانطقه بمحجّة عليه، إلّاأنّ نوح عليه السلام لم يقبل أن يكلّمه) [١] قال إبليس: «اذْكُرْنِي فِي ثَلَاثِ مَوَاطِنَ فَإِنِّي أَقْرَبُ مَا أَكُونُ إِلَى الْعَبْدِ إِذَا كَانَ فِي إِحْدَاهُنَّ: اذْكُرْنِي إِذَا غَضِبْتَ، وَاذْكُرْنِي إِذَا حَكَمْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، اذْكُرْنِي إِذَا كُنْتَ مَعَ امْرَأَةٍ خَالِياً لَيْسَ مَعَكُمَا أَحَدٌ» [٢].
وهذا الحديث في الحقيقة يبيّن أحد المصاديق الواضحة لكلام الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام.
وفي التوصية الرابعة عشر يقول الإمام عليه السلام: «وَإِيَّاكَ وَالاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى [٣]».
المقصود من كلمة «المُنى» الآمال الطويلة والعريضة التي هي إلى الخيالات والأوهام أقرب، والأشخاص الذين يعيشون هذه الحالة من الاعتماد على الآمال البعيدة والطموحات الخيالية فإنّهم يستنزفون قواهم الفعّالة ويهدرون طاقاتهم الحيوية، ثمّ لا يصلون إلى شيء، ومن جهة أخرى الاعتماد على هذه الآمال يستنزف عصارة فكر الإنسان وعمره لحساب الوهم ويصرفه عن التفكير في المعاد والحياة الآخرة.
وهذا ما ورد في الحديث المشهور عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وكذلك عن الإمام
[١]. بحار الأنوار، ج ١١، ص ٢٨٨، ح ١٠.
[٢]. المصدر السابق، ص ٣١٨، ح ٢٠.
[٣]. «نَوْكى» جمع «أنوك» على وزن «ابتر» وهو الشخص الجاهل والأحمق.