نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - الشرح والتفسير هذه الوصيّة ممّن وإلى من؟
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يصف مخاطبه بدون ذكر اسمه في أربعة عشر صفة ويقول:
«إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَايُدْرِكُ، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ [١] الْأَسْقَامِ، وَرَهِينَةِ [٢] الْأَيَّامِ، وَرَمِيَّةِ [٣] الْمَصَائِبِ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ، وَغَرِيمِ الْمَنَايَا، وَأَسِيرِ الْمَوْتِ، وَحَلِيفِ [٤] الْهُمُومِ، وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ، وَنُصُبِ الْآفَاتِ، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَخَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ».
وأوّل وصف يصف الإمام عليه السلام ولده، وببيان آخر يصف جميع أفراد البشر هو أنّك في هذا العالم تتحرّك لتحصيل ما لا يمكن تحصيله، لأنّ الإنسان يريد أن يعيش حياة خالية من جميع المشاكل وحالات القصور والألم، في حين أنّ طبيعة الدنيا مقترنة بالمشاكل والآلام والمصائب «الْمُؤَمِّلِ مَا لَايُدْرِكُ».
وجملة: «السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ» تعني أنّ جميع أفراد البشر يسيرون في طريق ينتهي إلى الموت والهلكة، كما يقول القرآن الكريم: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [٥] ولا يوجد أيّ استثناء من هذه القاعدة.
وجملة «غَرَضِ الْأَسْقَامِ» هي في الحقيقة توضيح لما سبق، لأنّ الإنسان شاء أم أبى يواجه في هذا الحياة حالات المرض وأنواع الأسقام في طفولته وفي شبابه وفي شيخوخته بشكل من الأشكال.
والتعبير ب «وَرَهِينَةِ الْأَيَّامِ» مع الأخذ بالحسبان أنّ «رهينة» تعني الأسر والاختطاف، فهي إشارة إلى أنّ الإنسان يعيش دوماً في أسر الأزمات وأنّ مرّ الزمان يأخذ بيده إلى المجهول ويتركه شاء أم أبى في نهاية العمر ويسلّمه إلى القبر.
[١]. «الغرض» بمعنى الهدف الذي يوضع ليرميه المتسابقون والرماة.
[٢]. «رهينة» من الرهن وهو الثبات ودوام الشيء، والرهينة جمعها رهائن وهي ما يرهن ويحتسب فيه الشيء فيمقابل ثمن.
[٣]. «رمية» عبارة أخرى عن «غرض» و «هدف» (صفة مشبهة بمعنى المفعول).
[٤]. «حليف» بمعنى المتفق والذي يجتمع معه بميثاق، من مادة «حلف» على وزن «حرف» وهو القسم واليمين.
[٥]. سورة آل عمران، الآية ١٨٥.