نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٩ - الشرح والتفسير فتح أبواب التوبة والدعاء أمام الإنسان
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام السبب الرابع لعدم استجابة الدعاء، والذي يعتبر أهمّ سبب في ذلك، يقول: «أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ».
فالكثير من الناس وبسبب عدم اطّلاعهم على عواقب الأمور يطلبون مسائل وحاجات من اللَّه تعالى بإصرار وإلحاح، في حين أنّ هذا الطلب فيه هلاكه وفساده، وبما أنّ اللَّه تعالى عالم بعواقب الأمور، فإنّه لا يستجيب مثل هذا الدعاء، ولكنّه لا يخيّب أمل عبده، فيعطيه ما فيه فلاحه ونفعه.
ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة أيضاً ويقول: «وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ» [١].
ونقرأ في حديث شريف عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال: «قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ: إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَاداً لَايَصْلُحُ لَهُمْ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَّا بِالْغِنَى وَالسَّعَةِ وَالصِّحَّةِ فِي الْبَدَنِ فَأَبْلُوهُمْ بِالْغِنَى وَالسَّعَةِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ فَيُصْلِحُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَعِبَاداً لَايَصْلُحُ لَهُمْ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَّا بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَأَبْلُوهُمْ بِالْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّقْمِ فَيُصْلِحُ عَلَيْهِمْ أَمْرُ دِينِهِمْ» [٢].
وهناك نماذج جليّة على امتداد التاريخ وحتّى في زمان صحابة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأئمّة الهدى عليهم السلام تحكي عن وجود بعض الأفراد من ذوي الذهنية الضيّقة يطلبون من اللَّه تعالى وبإصرار ويتوسّلون إليه بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أو الأئمّة المعصومين عليهم السلام أن يوسّع في رزقهم، وبعد الإصرار والطلب من النبيّ صلى الله عليه و آله أو الإمام أن يدعو لهم بسعة الرزق تفضي بهم سعة الرزق إلى حالة من الطغيان والتمرّد، بل ينطق بعض هؤلاء بكلمات يستشمّ منها الإرتداد عن الدين والإيمان كما في القصة المعروفة عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري الذي كان يصرّ على النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أن يدعو له بالمال الوفير،
[١]. سورة البقرة، الآية ٢١٦.
[٢]. أصول الكافي، ج ٢، ص ٦٠، ح ٤.