نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٥ - الشرح والتفسير لا تتساهل في هذه الوصيّة
أهله ورفاقه، فإنّه يتوجّه إلى اللَّه تعالى ويستشيره في هذا الأمر، فالاستخارة هنا نوع من المشورة مع اللَّه تعالى، والمعنى الآخر للاستخارة أن يطلب الإنسان من اللَّه تعالى الخير والصلاح في كلّ عمل يقدم عليه، يعني أن يجعل اللَّه تعالى حاكماً على مصيره، فيتحرّك في حياته من أجل الكسب والتجارة والزراعة وما إلى ذلك ولكنّ لسان حاله يقول: (أَسْتَخيرُ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ)، يعني أطلب من اللَّه الخير والبركة والرحمة، وهذا النوع من الاستخارة ورد التأكيد عليه كثيراً في الروايات الشريفة، منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «مَا اسْتَخَارَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ إِلَّا خَارَ لَهُ» [١].
ثمّ يوصي الإمام عليه السلام ولده بأن يتعمّق في فهم هذه الوصايا والنصائح، ولا يمرّ عليها مرور الكرام أو يتعامل معها بسطحيّة وتساهل، ويقول: «وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً [٢]».
ثمّ يقدّم الدليل لتأييد هذه الحقيقة، ويقسّم العلوم والمعارف إلى ثلاثة أقسام يقول: «فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَاخَيْرَ فِي عِلْمٍ لَايَنْفَعُ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ».
فالعلوم النافعة هي العلوم التي تعين الإنسان في مسيرته المعنوية والقرب إلى اللَّه، سواءً كانت في مجال العقائد أو العبادات أو الأخلاق وما شاكل ذلك، وبذلك تحقّق له حياة كريمة في هذه الدنيا وتنقذه من الفقر الذي يعدّ عاملًا رئيسياً للكفر والضلالة والانحراف.
والعلوم غير النافعة هي العلوم التي لا يجد الإنسان فيها خير الدنيا ولا خير
[١]. بحار الأنوار، ج ٨٨، ص ٢٢٤، ح ٤.
[٢]. «صفح» في الأصل بمعنى الجانب والطرف المواجه للشيء، ومعناه المصدري الإعراض وصرف النظر عن الشيء، وبما أنّ صرف الإعراض عن الشيء تارة بدفاع العفو الصفح وأخرى بسبب الغضب والاستياء، فهذه المفردة تستعمل بكلا المعنيين، وضمناً ينبغي الالتفات إلى أنّ فاعل تذهبنّ هو الوصية، ومعنى الجملة أنّ وصيتي لا ينبغي أن تنسى بسبب الاهمال والإعراض عنها، أي لا تتعامل معها من موقع اللامبالاة والتساهل، وجاء في بعض النسخ كلمة «عنها»، بدلًا من عنك، وفي هذه الصورة سيكون فاعل تذهبنّ المخاطب، أي الإمام الحسن عليه السلام.