نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٧ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
والأخرى، أن يجّهز الإنسان نفسه بقوّة اليقين، وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم يقول: «قُلْ لَّنْ يُصيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا» [١]، ومعلوم أنّ التقديرات الإلهيّة تنطلق من موقع الحكمة والتدبير الإلهي، سواء علمنا بهذه الحقيقة أم لم نعلم، وبالتالي نستطيع بهاتين القوّتين التصدّي لواردات الهموم وتسكين خلجات النفس وترطيب أجواء الحياة.
ينقل المرحوم مغنية في شرحه لنهج البلاغة قصة مفيدة ويقول: ومن جملة ما قرأت أنّ رجلًا أحس بضعف وانحراف في صحّته، ولمّا عرض نفسه على الطبيب قال له أنّه مريض بسرطان الدم، وأنّه يموت بعد مدة قصيرة، فلم ينزعج وتحدّى المرض، وقال في نفسه: لا فرق بين أن أموت فجأة أو بإنذار سابق، ومضى في عمله كأن لم يكن شيء، استمرّ فيه حتى الآن، ولو أنّه استسلم للوساوس لخارت قواه وأمسى طريح الفراش ينتظر الموت في كلّ لحظة، ومعنى هذا أنّه يموت في اليوم مرّات، ولمّا قيل له: كيف تعمل وأنت على هذه الحال؟ قال: اجرّب الحكمة القائلة: خير الدواء العمل [٢].
ويقول لقمان الحكيم أيضاً في مواعظه الجميلة لولده: «وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» [٣].
الثامنة: يقول: «مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ».
وهذا يعني أنّ إحراز السلامة في الدين والدنيا يمرّ من خلال الاعتدال، وأنّ كلّ إسراف وتفريط يقود الإنسان إلى دروب الضلالة والشقاء والإخفاق، وأنّ الصراط المستقيم الذي ندعو اللَّه تعالى كلّ يوم في صلاتنا أن يهدينا إليه، هو صراط الاعتدال والاستقامة.
[١]. سورة التوبة، الآية ٥١.
[٢]. شرح نهجالبلاغة للشيخ مغنية، ج ٣، ص ٥٢٦.
[٣]. سورة لقمان، الآية ١٧.