نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٧ - الشرح والتفسير أحي قلبك بالموعظة
وبما أنّ نفس الإنسان ربّما تتمرّد عليه وتسلك سبيل الطغيان والعصيان، فالإمام عليه السلام يرشدنا لكيفية كبح جماح هذه النفس، ويقول في الجملة الخامسة والسادسة: «وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ»، لأنّ الموت والإقرار بالفناء يعملان على تذليل هذا الجموح ويتعامل الإنسان مع الواقع والحياة من موقع الإذعان والتسليم، وقد رأينا الكثير من الناس عندما يفقدون عزيزاً لهم في حادثة فجائية ويرون مشاركة الناس من الأقرباء والمعارف في التشييع ويحضرون في مجالس العزاء والمأتم، فإنّ آثار التذلّل والتسليم بادية على وجوه الجميع، وربّما يكون لهذه الحالة تأثير مؤقّت، ولكن على أيّة حال تشير إلى أنّ ذكر الموت والإقرار بالفناء إذا استمر لمدّة طويلة فذلك من شأنه كبح جماح النفس المتمرّدة والسيطرة على نوازعها وشهواتها.
وبعد أن طرح الإمام عليه السلام هذه التوصيات في الجمل والعبارات السابقة، يوصي ولده بأن يتمعّن ويتدبّر في حوادث الدهر والزمان، ويرى المتغيّرات والتقلّبات التي تطرأ بالليل والنهار: «وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ [١] تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ».
أحياناً تسدل الغفلة ستائرها على قلب الإنسان فيغرق في دوّامة الأهواء والشهوات بحيث لا يدرك الحقائق المتعلّقة بالحياة والسعادة، ولا يتحرّك في طريق العقل والسلامة، فمن أجل إزاحة هذه الستائر والحجب وإضاءة زوايا القلب وتنوير العقل، فلا شيء أفضل من التدبّر في الحوادث المرّة والبلايا المؤلمة للدنيا وكثرة التقلبات الفجائية في الحياة وبالأخصّ ما يراه الإنسان في حياة أصحاب القدرة والسلطة في العالم، كلّ ذلك من شأنه أن يفتح نوافذ القلب ويعيد إليه بصيرته.
[١]. «فحش» يقال لكل عمل خرج عن حدّ الاعتدال واتجه نحو القبح، ولذلك تطلق هذه الكلمة على جميعالمنكرات والقبائح الفاضحة، فيقال «فحش» و «فحشاء»، رغم أنّ هذه المفردة تستخدم في عرفنا المعاصر في مورد الانحرافات الجنسية (وأحياناً تأتي كلمة فحش بمعناها المصدري وأخرى يراد منها اسم المصدر).