نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٤ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
ملكه فيالحقيقة هو ما استخدمه لإصلاح آخرته وأرسله أمامه إلى حياته بعد الموت.
ونقرأ في الكلمات القصار للإمام عليه السلام قوله: «لِكُلِّ امْرِئٍ فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ:
الْوَارِثُ وَالْحَوَادِثُ» [١].
ونقرأ في حديث آخر عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله قوله: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مَالُ الْوَارِثِ» [٢].
يعني أنّ المال الحقيقي للإنسان يكون على قسمين: قسم يستفيد منه بمصارفه ومعيشته في الدنيا، وقسم آخر يجعله ذخيرة لآخرته ويوم معاده، وسائر أمواله موهومة ربّما تسلب منه في بعض الحوادث، ولو بقي منها شيء فهو نصيب الورثة.
الرابعة: يشير الإمام عليه السلام هنا إلى نقطة أخرى، وجدير بالإنسان أن يتذكّرها كلّ يوم وهي قوله: «وَإِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ [٣] مِنْ يَدَيْكَ، فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ».
الكثير من الأشخاص عندما يفقدون المال والمقام الذي كانوا يملكونه تراهم يرتفع عويلهم وصراخهم ويتحسّرون على ذلك أيّاماً طوالًا، وربّما شهوراً وأعواماً مديدة، ولكنّهم بالنسبة للأموال والمقامات التي لم يحصلوا عليها أبداً لا يعيشون تجاهها هذه الحالة، في حين أنّنا إذا دقّقنا النظر فإنّ كلا الحالين سواء، فالتقدير الإلهيّ قضى بأنّ هذا المال أو المقام يكون من نصيبي لمدّة سنة أو عدّة سنوات ثم يزول إلى غيري، بحسب الأسباب الظاهرية أو الغيبية، فما الفرق بين البقاء والحدوث؟ فإذا لم نجزع على غير المقدّر حدوثه فلماذا لا نعيش هذه الحالة في حال فقدانه؟ وطبعاً أحياناً يتصوّر الإنسان أنّ هذا المال أو المقام لابدّ أن يبقى عنده
[١]. نهجالبلاغة، الكلمات القصار، ٣٣٥.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٣٨، ح ٦.
[٣]. «تَفَلّت» من «الفلت» على وزن «فقر» وفي الأصل بمعنى الخلاص، وتأتي أيضاً بمعنى الأمور التي تصدر منالإنسان بشكل عفويّ وبدون تأمّل.