نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٤ - الشرح والتفسير
الاستعانة بالبرهان والعقل لنقد الآراء الباطلة والعقائد الفاسدة لئلّا تسقط في مصائد هؤلاء المنحرفين، وعبارة: «ثُمَّ أَشْفَقْتُ» مع الأخذ بالحسبان أنّ كلمة «ثمّ» إشارة لمطلب جديد، فإنّها تتناسب أكثر مع التفسير الثاني.
وعلى حدّ قول الشيخ مغنية في شرحه لنهج البلاغة، أنّ تعبيرات الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الوصية يؤكّد مرّة أخرى على هذه الحقيقة، وهي أنّ الإمام عليه السلام لم يطرح هذه التوصيات من موقع كونه إماماً، وأنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بوصفه خليفة وإماماً بعده، بل بوصفه أباً شفيقاً في مقابل ولده المحتاج للتعليم والتربية، لأنّه كما سبقت الإشارة إليه، أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان قد بلغ من العمر في ذلك الوقت أكثر من ثلاثين سنة، فهل يحتمل أن يكون الإمام عليّ عليه السلام قد غفل عن تعليم ولده القرآن إلى ذلك الوقت، ولم يطلعه على الآراء الباطلة والمذاهب الفاسدة؟ إنّ الإمام الحسن عليه السلام قد عاش أوّلًا في أحضان والده، ثمّ بقي إلى جانبه كلّ هذه الأعوام الطويلة، مضافاً إلى استماعه لخطب والده الفصيحة والبليغة وما خصّه من علم ومعرفة وتعاليم إلهيّة أيضاً.
وفي آخر جملة من هذا المقطع من الوصية يبرز الإمام عليه السلام أمله في أن تؤثّر هذه الوصايا أثرها بشكل كامل في ولده ويقول: «وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ [١]، أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ [٢]، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ».
ويستفاد من عبارة الإمام عليه السلام: «فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ»، أنّ ما تقدّم من الأقسام التسعة لهذه الوصية تمثّل في الحقيقة مقدّمة لأصل الوصيّة، والغاية منها أن يستعدّ الابن بشكل كامل لتقبّل الوصايا الأصلية التي سيذكرها الإمام عليه السلام لاحقاً، فبدون التمهيد لها لا يمكن تحصيل النتائج المطلوبة المترتبة عليها.
[١]. مفردة «رشد» في الأصل بمعنى السير نحو المقصد، وجملة «راشداً مَهْدِياً» دعاء يقال عند توديع المسافر، يعني إن شاء اللَّه ستصل إلى مقصودك وتهتدي إلى مرادك.
[٢]. «قصد» تأتي أحياناً بمعنى النيّة، وأخرى بمعنى سلوك الطريق المستقيم والمعتدل بعيداً عن الافراط والتفريط، و «قَصْدُ السبيل» تعني الجادة التي يسلكها الإنسان للوصول إلى مقصده.