شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٤٥٠ - المسألة الثّالثة في مغايرة النّفس النّاطقة للمزاج والبدن
فنقول: يجب أن يتوهّم واحد منّا كأنّه خلق دفعة وخلق كاملاً، لكنّه حجب بصره عن ملاحظة الخارجات، وخلق يهوي في هواء أو خلاء هويّاً لا يصدمه فيه قوام الهواء صدم مّا يحوج إلى أن يحسّ، وفرّق بين أعضاء فلم تتلاق ولم تتماسّ، ثم يتأمّل هل ثبت وجود ذاته ؟
فلا يشكّ في إثباته لذاته موجوداً ولا يثبت مع ذلك طرفاً من أعضائه ولا باطناً من أحشائه، ولا قلباً ولا دماغاً ولا شيئاً من الأشياء من خارج، بل كان ثبت ذاته ولا يثبت لها طولاً ولا عرضاً ولاعمقاً، ولو أنّه أمكنه في تلك الحالة أن يتخيّل يداً أو عضواً آخرَ لم يتخلّله جزء من ذاته ولا شرطاً في ذاته، وأنت تعلم أنّ المثبت غير الّذي لم يثبت .
فإذن المثبتة سبيل إلى أن ينتبه على وجود النّفس شيئاً غير الجسم، بل غير جسم، وأنّه عارف به مستشعر له، وإن كان ذاهلاً عنه يحتاج أن يقرع عصاه. انتهى كلام الشّفاء». [١]
فإن قيل[٢]: إنّ ذات الإنسان عندنا هي أجزاؤه الأصليّة الجسمانية، ولا نسلّم أنّه يغفل عنها، بل إنّما يغفل عن الأجزاء الفضليّة وعن الأعراض والقوى الحالة فيها.
قلنا: لو كان المراد من الأجزاء الأصليّة هي الأعضاء المتكونة عن النّطفة كما هو الظاهر، فامكان الغفلة عنها لا يقبل المنع كيف وهي الأعضاء المأخوذة في تقرير هذا التّنبيه، وإن كان المراد منها هو الأجزاء الّتي لا
[١] طبيعيّات الشّفاء: ٢ / كتاب النّفس / ١٣.
[٢] ذكره الشارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: ١٩٧ .