شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٥٧ - الأُولى الحسّ المشترك
وجودها، وإنّما يبحث عن كيفيّة الإحساس بها كما مرّ.
وأمّا الباطنة ; فغير مستغنية عن الإثبات، فعلى وجود الحسّ المشترك استدل في " الشّفاء [١] " بوجوه:
منها: ما معناه أنّا نحكم، بأنّ هذا اللّون غير هذا الطعم، وأنّ لصاحب هذا اللّون هذا الطعم حكماً نجزم بكون طرفيه مجتمعين في المدرك الواحد، ولا يمكن ذلك الاجتماع في النّفس، لما مرّ من أنّها لا ترتسم فيها الصّور المحسوسة، ولا في الحسّ الظاهر، فإنّه لا يدرك به غير نوع واحد من المحسوسات، فلابدّ من قوّة ترتسم فيها صور المحسوسات كلّها.
وإلى هذا أشار بقوله: الحاكمة بين المحسوسات، من قبيل اسناد الفعل إلى الآلة، لأنّ الحاكم بالحقيقة هو النّفس، وهي صفة لقوله: «بنطاسيا» .
وثانيها: باعتبار كونه قوّة.
فإن قلت: العقل يحكم بين كلّي وجزئي كما في قولنا زيد انسان مع امتناع ارتسامهما معاً في العقل لمكان الجزئي، ولا في قوّة لمكان الكلّي، فإذا جاز الحكم بين شيئين أحدهما في العقل والآخر في قوّة من القوى; فلينجز بين شيئين: أحدهما; في قوّة، والأُخرى في قوة أُخرى .
قلنا: المرتسم في ذات العقل لا يبائن المرتسم في قوّة من قواه، وأمّا المرتسم في قوّة من قواه، فهو يبائن المرتسم في قوّة أُخرى من قواه ألبتة، فتفطن.
[١] لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: ٢ / كتاب النّفس / ١٤٥ ـ ١٤٦ / الفصل الأوّل من المقالة الرّابعة.