شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٢٦ - الرّابعة قوّة السّمع
إلى الصّمِاخ [١]، وليس المراد بوصول الهواء المنضغط إلى الصِّماخ ما هو المتبادر من هذه العبارة ـ أعني: أنّ هواء واحداً بعينه يتموّج ويتكيّف بالصّوت ويصل إلى الصِّماخ ـ بل أنّ ذلك الهواء الواحد بتموجّه يموج الهواء المجاور له ويكيّفه بالصّوت، ثم يموّج المجاور لهذا المجاور، ويتكيّف بالصّوت، وهكذا إلى أن يتموّج الهواء الرّاكد في الصِّماخ ويتكيّف بالصّوت فيسمعه العصب الحاسّ.
والدّليل على أنّ السّماع إنّما هو بوصول الهواء المتموج إلى الصّماخ هو ما سيأتي من أنّ الصّوت تابع لذلك التمّوج قارن له، وفي تجويف الصّماخ هواء راكد، ووراءه كالجدار مفروش عليه العصب الحاسّ للصّوت، فلابدّ من انتهاء الهواء المتموّج إلى ذلك الهواء الرّاكد في الصماخ ليتموّج ويصل تموجّه إلى ذلك العصب، فيحسّ الصّوت التّابع له.
وذكروا لهذا شواهد [٢]:
الأوّل: أنّ الصوت يميل مع هبوب الرّيح ولا يسمعه من كان الهبوب من جهته لعدم وصول الهواء إلى صماخه .
الثّاني: انّ من وضع طرف أُنْبُوبة [٣] في فَمِه، وطرفها الآخر في صماخ انسان، وتكلّم فيها بصوت عال سمعه ذلك الإنسان دون غيره من
[١] الصِّماخ بالكسر: خَرقُ الأُذُن الباطن الّذي يفضي إلى الرأس، يقال إنّ الصِّماخ هو الأُذن نفسها. تاج العروس: ٧ / ٢٩٣ .
[٢] لاحظ : شرح المواقف: ٥ / ٢٦١ ـ ٢٦٢ ; وشرح المقاصد: ٢ / ٢٧٦ ـ ٢٧٧ ; وشرح تجريد العقائد: ٢١١.
[٣] الأُنْبُوب: ما بين العقدتين من القصب أو الرمح، ويستعار لكلّ أجوف مستدير كالقصب .