شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢٦١ - المبحث السّابع في الجهة
الجهة أمراً موجوداً ذا وضع، وذلك لاستحالة كون المعدوم أو المجرّد مقصوداً بالحركة للحصول فيما يليه، أو في قربه، أو مقصوداً بالإشارة الحسيّة، فإنّها المتبادرة إلى الذّهن عند الاطلاق، وإنّما اكتفى بذكر الوضع دون الوجود لاستلزامه إيّاه .
والطبيعيّ منها; أي من الجهة فوق وسفل، فإنّهما لا يتبدّلان أصلاً، بمعنى أنّه لا يصير الفوق سفلاً ولا السّفل فوقاً، لكونهما متعيّنين بالطّبع ومتخالفين بجسمه، بخلاف الأربعة [١] الباقية من الست المشهورة بين النّاس، لكونها متخالفة بحسب الوضع دون الطّبع، لكون تعيّناتها وامتياز بعضها عن البعض بمجرّد الوضع والجعل، لا أمراً راجعاً إلى ما في طبائعها، فإنّ المشرق مثلاً إنّما صار قداماً للمتوجّه إلى المشرق والمغرب خلفه، والجنوب يمينه والشّمال شماله، لانّهم جعلوا ما بازاء وجه الإنسان قداماً وما وراء ظهره خلفاً، وما بأزاء يمينه يميناً، وما بأزاء شماله شمالاً، ولذلك إذا توجه إلى المغرب يتبدّل الجميع ويصير ما كان قدامه خلفه وبالعكس، وما كان يمينه شماله وبالعكس .
وأمّا الفوق والسّفل، فلم يصيرا فوقاً وسفلاً، لكون الأوّل بازاء رأس الإنسان، والثّاني بأزاء رجله، ولذلك إذا صار القائم منكوساً لا يصير ما يلي رأسه حينئذ فوقاً وما يلي رجله حينئذ تحتاً، بل يصير رأسه من تحت، ورجله من فوق.
[١] اليمين، واليسار، والخلف، والأمام.