شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢٠٧ - المبحث الخامس في ماهيّة المكان
الثّلاثة المشهورة، بل الاثنان ـ أعني: البعد والسّطح ـ وأصحاب كلّ منهما يدّعون تحقّق الأمارات المذكورة فيما ذهبوا إليه، ولا نزاع في تحقّق الأمارة الثّانية والرّابعة في كلّ منهما، إنّما النّزاع في تحقق الأُولى والثّالثة.
وأصحاب البُعد يدعّون تحقّقها في البُعد دون السّطح ; قالوا: فإنّ النّاس كلّهم يحكمون بأنّ الماء في ما بين أطراف الإناء، ويريدون بها أطرافه الدّاخلة لا الخارجة، وما بين أطرافه الدّاخلة هو البُعد لا سطحه الباطن، إذ هو عينها.
وأيضاً يقولون: إنّ المكان كالإناء فارغ وممتلي، ويريدون الدّاخلة للخارجة، وما بين أطرافه الدّاخلة هو إلى البعد الّذي في باطنه، ولا يقولون إنّ السّطح فارغ وممتلي، بل يتحاشّون عن ذلك جدّاً .
وأصحاب السّطح يقولون: إنّ هذا مبنيّ على عادات الجمهور، وليس بحجّة في الأُمور العقليّة، على أنّهم يقولون فيما بينهم: أنّ الماء في الجرّة، والجرّة مملوّة منه، ولا يعرفون حال البُعد، الّذي تدعونه، بل يصفون الحاوي بهذه الصّفة، والحاوي أشبه بالبسيط منه بالبُعد، فإنّ البُعد لا يحيط بشيء، فلذلك لا يتحاشّون أن يقولوا إنّ الجرّة مملوّة .
وربّما توقّفوا أن يقولوا: إنّ البُعد الباطن مملوّ، والجرّة إسم لجوهر الخزف المعمول على شكل البسيط الباطن للمحيط، ولو كان البسيط يقوم بنفسه لكان مقام هذه الجرّة، ولكانوا يقولون في البسيط ما يقولون في الجرّة.