شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ١٢
إنّ القرآن يجيب عن شبهة القوم ـ أعني: ضلال الإنسان بموته وتشتّت أجزاء بدنه في الأرض ـ بجوابين :
أوّلهما: قوله: ((بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)) .
و ثانيهما: قوله: ((قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)) .
والأوّل: راجع إلى بيان باعث الإنكار، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من من ضلال الإنسان وتفرّق اجزاء بدنه في الأرض، وإنّما هو ناشئ من تبنّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله، فصار ذلك مبدأً لطرح هذه الشبهة.
والثاني: جواب عقلي عن هذا السؤال، وتُعْلم حقيقتُه بالإمعان في معنى لفظ «التوفّي»، فهو وإن كان يفسّر بالموت، ولكنّه تفسير باللازم، و المعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً. وقد نصّ على ذلك أئمة أهل اللغة، قال ابن منظور في «اللسان»: «توفّي فلان وتوفّاه الله: إذا قبض نفسه، وتَوفَّيْت المال منه، واستوفيته: إذا أَخَذته كلّه، وتوفّيت عدد القوم: إذا عددتهم كلّهم. وأنشد أبو عبيدة:
إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد *** و لا توفّاهم قريش في العدد
أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم». [١]
و آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك، وأنّ التوفّي ليس بمعنى الموت، بل بمعنى الأخذ تماماً الّذي ربّما يتصادقان يقول سبحانه: ((اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)) [٢]. فإنّ لفظة «التي»، معطوفة على الأنفس، وتقدير الآية: والله يتوفّى التي لم تمت في منامها. ولو كان التوفّي بمعنى الإماتة، لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها حينئذ: الله
[١] لسان العرب: ١٥ / ٤٠٠، مادة «وفى».
[٢] الزمر: ٤٢.