أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤٨ - الأمر الثاني عدم جواز الاكتفاء بالظنّ في حال الانفتاح
لغفلة أو لغموضة المطلب مع قلّة الاستعداد، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد و الفحص فليس معذوراً بلا ريب.
لكن ربّما يتوهّم أنّه لا يتصوّر هنا العجز عن قصور، و ذلك لقوله تعالى: «وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» [١] لدلالته على انفتاح الطريق في جميع الحالات، و الطريق هو الجهاد في سبيل الوصول إلى الحقّ، فقد وعد اللَّه تعالى في هذه الآية أنّ كلّ من جاهد في الحقّ و تفحّص عنه يهتدي إلى سبيل الهداية و يصل إلى مطلوبه و هو الحقّ، و أكّد على ذلك بتأكيدات عديدة من اللام و النون الواردين في قوله تعالى «لنهدينّهم» و فعل المضارع الدالّ على الاستمرار.
و أجاب بعضهم عن هذا بأنّه ليس المراد من المجاهدة الواردة في الآية النظر و الاجتهاد في تحصيل العلم و المعرفة بل هو المجاهدة مع النفس التي هي أكبر من الجهاد مع الكفّار فالآية أجنبية عن المقام.
أقول: قد ذكر في كتب التفاسير في معنى الجهاد الوارد في الآية احتمالات ثلاثة:
أحدها: أنّ المراد منه هو الجهاد مع الكفّار فيكون المعنى «و الذين جاهدوا مع عدوّنا لنهدينّهم سبل الفتح و الظفر».
و الثاني: أنّ المراد هو الجهاد مع النفس أي العدوّ النفساني كما مرّ.
الثالث: الجهاد في سبيل المعرفة، أي الجهاد العلمي في قبال الجهاد الأخلاقي و العسكري، (و قد وقع الخلط في بعض الكلمات حيث أورد فيها في مقام تفسير الآية بحث فلسفي معروف، و هو ما قال به بعض الفلاسفة من أنّه ليس التفكّر وسيلة للعلم بل أنّه يوجب استعداد النفس لإفاضة الصور العلمية عليها و قبولها من جانب الفيّاض المطلق).
قلت: الإنصاف أنّه لا دليل و لا قرينة على تقييد الآية و تحديد مفاد كلمة الجهاد فيها بمعنى خاصّ من المعاني الثلاثة بل مقتضى إطلاقها شمولها لجميع الثلاثة، فيبقى الإشكال على حاله خصوصاً مع الالتفات إلى ما نشاهده بوجداننا في كثير من الناس من القصور و عدم التقصير في سبيل معرفة اللَّه بين النصارى و اليهود و سائر المذاهب و في سبيل معرفة الإمام بين غير العارفين.
[١] سورة العنكبوت: الآية ٦٩.