أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١٦ - الدليل الأول الكتاب
«قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا» [١] و قد أُيّد هذا التفسير بروايات وردت في هذا المعنى.
لكن الصحيح أنّ المراد منه أهل العلم عامّة و أنّ كلّ واحد من هذه الاحتمالات بيان لمصداق من المصاديق و تفسير للآية بالمصداق كما هو المتداول في كثير من كتب التفسير و كذا الرّوايات، و ذلك باعتبار أنّ الذكر في اللغة بمعنى العلم مطلقاً و من دون تقيّد و خصوصيّة، و يشهد عليه ملاحظة موارد استعمال هذه المادّة و مشتقّاتها في القرآن الكريم كقوله تعالى:
«لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» فيكون المراد من كلمة «الأهل» كلّ من كان عالماً و خبيراً في موضوع من الموضوعات و مسألة من المسائل، و لا وجه لتخصيصه بمصداق دون مصداق.
وعليه يكون الاستدلال بهذه الآية في باب التقليد أولى ممّا نحن فيه.
لكن المحقّق الخراساني (رحمه الله) حاول الجواب عن هذا الإشكال بأنّ مثل زرارة و محمّد بن مسلم و غيرهما من أجلّاء الرواة كانوا من أهل العلم، فيجب قبول روايتهم، و إذا وجب قبول روايتهم وجب قبول رواية من ليس من أهل العلم بالإجماع المركّب.
و الإنصاف أنّه غير تامّ، لأنّ المستفاد من الآية وجوب السؤال عن مثل زرارة و قبول روايته من حيث إنّه من أهل العلم و الخبروية لا بما أنّه راوٍ و ناقل للرواية حتّى يتعدّى عنه إلى سائر الرواة.
و إن شئت قلت: هو دليل على جواز رجوع الجاهل إلى العالم و إمضاء لبناء العقلاء في هذا الأمر، و أمّا الإجماع المركّب فلا إشكال في عدم حجّيته في مثل هذه المسألة.
و رابعاً: أنّ الآية وردت في اصول العقائد و لا كلام في عدم حجّية خبر الواحد فيها.
و يمكن الجواب عن هذا أيضاً بأنّ الآية مطلقة تشمل الاصول و الفروع، غاية الأمر لا بدّ في الاصول من إضافة قيد من الخارج و هو اعتبار حصول العلم.
فقد ظهر أنّ جميع ما اورد على الاستدلال بهذه الآية مدفوعة إلّا الإشكال الثالث، و هو أنّها واردة في حجّية قول أهل الخبرة، و لهذا استدلّ كثير من العلماء بها في باب الاجتهاد و التقليد بل هي من أهمّ أدلّة ذلك الباب.
هذا كلّه في الاستدلال لحجّية خبر الواحد بالكتاب، و هو الدليل الأوّل.
[١] سورة الطلاق: الآية ١٠- ١١.