أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١٥ - الدليل الأول الكتاب
في كلمة «من» فإنّها وردت في الاولى لا الثانية).
و هاتان الآيتان بشهادة صدرهما نزلتا في من كانوا يعترضون على النبي ٦ بأنّه لِمَ خلق بشراً أو لا يكون معه ملك، فأجابتا عن هذا الإشكال بأنّ هذا ليس أمراً جديداً بل كان الأمر كذلك في الأنبياء السلف، و إن أردتم شاهداً على هذا فاسألوا أهل الذكر، فمورد الآية مسألة من مسائل أصل النبوّة (الذي هو من جملة اصول الدين) و هي أنّه هل يمكن أن يكون النبي ٦ بشراً أو لا؟
و الاستدلال بهذه الآية لحجّية خبر الواحد يرجع أيضاً إلى برهان اللغويّة، و تقريبه: أنّ ظاهر الأمر بالسؤال هو وجوبه، و وجوبه ملازم لوجوب القبول، و إلّا يكون وجوب السؤال لغواً، و إطلاقه يشمل السؤال الذي يحصل من جوابه العلم و ما يحصل من جوابه الظنّ، أي يجب القبول سواء حصل العلم أم لا؟
و لكن يرد عليه:
أوّلًا: ما أورده كثير من الأعلام و هو أنّه يمكن أن تكون فائدة وجوب السؤال هي حصول العلم بالسؤال فيخرج عن اللغويّة.
و يمكن دفع هذا الإشكال بإطلاق وجوب السؤال، لأنّ لازمه إطلاق وجوب القبول.
و ثانياً: أنّ مفادها أخصّ من المدّعى، لأنّها تدلّ على وجوب القبول في خصوص مورد السؤال، بينما محلّ النزاع مطلق أخبار الثقة سواء كان في قبال سؤال أم لم يكن.
و الجواب عنه واضح و هو أنّ الفهم العرفي يوجب إلغاء الخصوصيّة عن مورد السؤال.
و ثالثاً: أنّ قوله تعالى «أهل الذكر» ظاهر في أهل الخبرة، فيدلّ على حجّية قول أهل الخبرة لوجود تفاسير مختلفة لأهل الذكر في كلمات المفسّرين فبعضهم فسّره بالقرآن لأنّ من أسامي القرآن الذكر كما ورد في قوله تعالى: «وَ هَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ» [١] و بعضهم فسّره بأهل الكتاب من علماء اليهود و النصارى، و المقصود من السؤال منهم حينئذٍ هو السؤال عن علائم النبوّة الموجودة في التوراة و الإنجيل، و ثالث فسّره بأهل العلم بأخبار الماضين، و رابع فسّره بالأئمّة (صلوات اللَّه عليهم) لأنّ من أسامي الرسول أيضاً الذكر كما ورد في قوله تعالى:
[١] سورة الأنبياء: الآية ٥٠.