أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧ - أمّا المقام الأوّل و هو تداخل الأسباب
المشاهدات الخارجيّة ربّما تورث له ارتكازاً و فطرة، فإذا خوطب بخطابين ظاهرهما كون الموضوع فيه من قبيل العلل و الأسباب فلا محالة ينتقل منه إلى أنّ كلّ واحد يقتضي مسبّباً غير ما يقتضيه الآخر ... هذا كلّه راجع إلى المقدّمة الاولى أعني فرض استقلال كلّ شرط في التأثير، و لكنّها وحدها لا تفيد شيئاً بل لا بدّ من إثبات المقدّمة الثانية، و هي أنّ أثر الثاني غير أثر الأوّل، و لقائل أن يمنع هذه المقدّمة لأنّ غاية ما تلزم من الاولى من استقلالهما في التأثير هي إنّ الوجوب الآتي من قبل النوم غير الآتي من قبل الآخر، و ذلك لا يوجب إلّا تعدّد الوجوب لا تعدّد الواجب، بل يمكن أن يستكشف من وحدة المتعلّق كون ثانيهما تأكيداً للأوّل و لا يوجب التأكيد استعمال اللفظ في غير معناه لأنّ معناه وضع الأمر للوجوب هو وضعها لإيجاد بعث ناشٍ من الإرادة الحتمية، و الأوامر التأكيديّة مستعملة كذلك ... نعم حمل الأمر على التأكيد يوجب ارتفاع التأسيس، و هو خلاف ظاهر الأمر، لكنّه ظهور لا يعارض إطلاق المادّة و الشرطيّة، فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن أحد الإطلاقين و رفع اليد عن التأسيس لا ريب في أولويّة الثاني ...» [١].
أقول: العمدة في كلامه الفقرة الا خيرة منه حيث ينبغي أن نلاحظها و نبحث فيها- و هي «إنّ ظهور إطلاق المادّة مقدّم على ظهور الهيئة في التأسيس» و هي محالا يمكن المساعدة عليه، لأنّ الظهور اللفظي يمنع من انعقاد الإطلاق فإنّ من مقدّماته عدم البيان، و الظهور اللفظي يعدّ بياناً، و حينئذٍ يقدّم الظهور في التأسيس على إطلاق المادّة، وعليه تثبت المقدّمة الثانية أيضاً فيثبت المطلوب، و هو عدم التداخل.
هذا- مضافاً إلى أنّ كلامه أيضاً مبني على ظهور القضيّة الشرطيّة في التأثير الفعلي و قد مرّ كراراً المناقشة فيه، كما مرّ أيضاً إنّه لو فرضنا ظهورها في التأثير الفعلي فهو يعارض مع ظهور الجزاء في الوحدة فيتساقطان، و النتيجة حينئذٍ إجمال القضيتين معاً فتصل النوبة حينئذٍ إلى الأصل العملي، و هو في المقام يقتضي نتيجة التداخل كما مرّ فتأمّل.
التنبيه الثالث: قد يفصّل في المسألة بين ما إذا كان الشرطان مختلفين بحسب الجنس و ما إذا كانا من جنس واحد، و يقال بالتداخل في الثاني دون الأوّل.
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٤٤٣- ٤٤٥، طبع جماعة المدرسين.