أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٩ - المقام الرابع فيما إذا ورد مطلق و مقيّد
الحقّ أنّ في المسألة صوراً:
الصورة الاولى: ما إذا كان المطلق و المقيّد متخالفين في الإثبات و النفي نظير ما مرّ من المثال آنفاً، فحكمها واضح، و لا إشكال في لزوم الجمع بينهما بالتقييد كما مرّ في الأحكام التكليفية.
الصورة الثانية: ما إذا كانا مثبتين أو منفيين و هي بنفسها على صورتين:
تارةً يكون القيد في المقيّد احترازيّاً، و بتعبير آخر: يكون للتقيّد مفهوم مثل قوله تعالى:
«وَ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» في قبال قوله تعالى:
«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» حيث إن القيد في الأوّل في مقام الاحتراز، فلا إشكال أيضاً في التقييد كما مرّ في التنبيه السابق أنّهما يرجعان إلى المتخالفين.
و اخرى لا يكون القيد في مقام الاحتراز و لا يكون له مفهوم كما إذا ورد دليل يقول: «أحلّ اللَّه البيع بالصيغة العربيّة» و فرضنا عدم كون المقام فيه مقام الاحتراز، في قبال دليل حلّية بيع المعاطاة، ففي هذه الصورة قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إذا علم أنّ مراده إمّا البيع على إطلاقه أو البيع الخاصّ فلا بدّ من التقييد لو كان ظهور دليله في دخل القيد أقوى من ظهور دليل الإطلاق فيه كما هو ليس ببعيد، ضرورة تعارف ذكر المطلق و إرادة المقيّد (بخلاف العكس) بالغاء القيد و حمله على أنّه غالبي أو على وجه آخر» (مثل إن كان القيد مورداً لابتلاء المكلّف).
أقول: إنّ مقصوده من قوله: «أمّا البيع على إطلاقه أو البيع الخاصّ» وحدة المطلوب (كما أشار إليه بعض المحشّين على الكفاية) أي إذا أحرز وحدة المطلوب فلا بدّ من التقييد، و هو ممّا لا إشكال فيه ثبوتاً، لكن المهمّ هنا مقام الإثبات و أنّه من أي طريق يمكن إحراز وحدة الحكم كما كنّا نفهمها في الأحكام التكليفية من تعلّق الطلب بصرف الوجود، بل يمكن أن يكون النظر فيها إلى جميع الأفراد، نحو قوله ٧: «الدم نجس» و قوله تعالى: «حَرَّمَ الرِّبَا» و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و قوله ٧: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» فإنّ الحكم فيها (كما لا يخفى) تعلّق بأي دم و أي قسم من الربا و أي نوع من الماء أو البيع، أي أنّ الشمول فيها استغراقي لا بدلي كما أنّ الطريقين الآخرين المذكورين في الأحكام التكليفيّة (و هما إحراز الوحدة من طريق الإماع و وحدة الشرط) أيضاً لا يوجد لهما مصداق في مثل هذه الموارد أصلًا، فحينئذٍ ينحصر الدليل على إحراز وحدة الحكم بكون القيد ظاهراً في الاحتراز، أو قيام دليل آخر على كون القيد ممّا