أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٩ - الفصل الثاني حجّية العام المخصّص في الباقي
ب «الف سنة» و بين قولنا «فلبث فيهم تسعمائة و خمسين سنة» واضح.
و ثانياً: الحقّ عدم تعارف التخصيص بالمنفصل بين العرف و العقلاء، بل إنّهم يحملونه على التناقض، فإذا قال أحد: «بعت جميع كتبي»، ثمّ قال بعد مدّة: «لم أبع كتابي هذا و ذاك» أو قال:
«أدّيت جميع ديوني» ثمّ قال بعد مدّة: «بقى عليّ كذا و كذا من الديون» يحكم العرف بأنّه نقض كلامه و كذب فيه.
و يشهد لما ذكرنا بعض الرّوايات التي عومل فيها العام و الخاص المنفصل معاملة التناقض و التعارض، و هو مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان ٧- حيث ورد فيها أنّه قال ٧: «في الجواب عن ذلك حديثان أمّا أحدهما فإذا انتقل من حاجة إلى اخرى فعليه التكبير، و أمّا الآخر فإنّه روى أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و كذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، و بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً» [١].
فإنّ ذيل هذا الخبر و هو جملة «و بأيّهما أخذت ...» يدلّ على أنّ الإمام ٧ عامل الحديثين معاملة المتعارضين مع أنّهما من قبيل العام و الخاصّ.
إن قلت: كيف اكتفى الإمام ٧ في مقام الجواب بنقل روايتين متعارضتين مع أنّه منبع الأحكام و هو عالم بواقعها؟
قلت: كان ٧ في مقام إعطاء قاعدة كلّية يمكن تطبيقها في سائر موارد التعارض بين الخبرين عند عدم إمكان الوصول إليه في غيبته.
هذا- لكن لا يخفى أنّ للشارع المقنّن المشرّع كسائر العقلاء في مقام التقنين عرفاً خاصّاً لا يعامل العام و الخاصّ معاملة التعارض، لأنّ تدريجيّة بيان الأحكام و القوانين تقتضي أن يبيّنها أوّلًا بشكل العام أو المطلق ثمّ يأتي بعد ذلك بالمخصّص أو المقيّد في ظرفه الخاصّ، و لا يحكم العرف و العقلاء عند ملاحظة هذه السيرة و هذا المقام بالتناقض و التنافي كما لا يخفى.
إن قلت: فكيف حكم به الإمام ٧ في مكاتبة الحميري؟
قلنا: لخصوصيّة في المستحبّات، و هي أنّ العمومات و الخصوصات فيها تحمل على بيان
[١] وسائل الشيعة: ح ٣٩، الباب ٩، من أبواب صفات القاضي.