أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٦ - الفصل الثاني حجّية العام المخصّص في الباقي
إرادتان إرادة استعماليّة و إرادة جدّيّة، ففي الكنايات إذا قيل مثلًا «زيد كثير الرماد» نرى بوضوح وجود إرادتين لأنّ كلّ واحد من لفظي «زيد» و «كثير الرماد» استعمل في معناه الحقيقي بلا شكّ، لكنّه لم يردّه المتكلّم جدّاً كما هو المفروض، بل المراد الجدّي منهما هو سخاوة زيد، فالإرادة الاستعماليّة تعلّقت بما وضع له اللفظ و استعمل فيه، و الإرادة الجدّية تعلّقت بشيء آخر خارج عن دائرة الوضع و الاستعمال، و هو سخاوة زيد، فتخالف الإرادتان و افترقتا، و كذلك في الأوامر الامتحانيّة، لأنّ الطلب الظاهري فيها تعلّق بذبح إسماعيل مثلًا في قصّة إبراهيم ٧، لكن المراد الجدّي فيها هو امتحان إبراهيم ٧ كما لا يخفى.
و بالجملة، إنّ هاهنا ثلاث نكات لا بدّ من الالتفات إليها و التوجّه بها:
الاولى: إنّ الأصل الأوّلي العقلائي اللفظي في باب الألفاظ هو تطابق الإرادتين و قد سمّي هذا بأصالة الجدّ، و لا إشكال فيه.
الثانية: إنّه لا تختلف الإرادتان إلّا لنكتة و داعٍ يدعو إليه.
الثالثة: إنّ المدار في الحقيقة و المجاز هو الإرادة الاستعماليّة لا الجدّية، و لذلك يعدّ الاستعمال في الكنايات استعمالًا حقيقياً، لأنّ الإرادة الاستعماليّة فيها تتعلّق بالمعنى الموضوع له كما مرّ، و التصرّف إنّما وقع في الإرادة الجدّية، و هذا هو الفرق بينها و بين المجازات بناءً على مذاق المشهور من أنّ المجاز إنّما هو في الكلمة لا في الأمر العقلي الذي هو المختار.
إذا عرفت هذا فاعلم: قد ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى كون العام حقيقة في الباقي مطلقاً سواء كان المخصّص متّصلًا أم منفصلًا، أمّا في المتّصل فاستدلّ بأنّه إذا كان المخصّص متّصلًا بالعام تستعمل أداة العموم حينئذٍ فيما هو معناها الحقيقي من استغراق تمام أفراد المدخول، غاية الأمر إنّ دائرة المدخول مضيّقة من جهة التقييد، فلا يتحقّق إخراج بالنسبة إلى أداة العام لكي نبحث في أنّه هل هو حقيقة في الباقي أو لا؟
و أمّا في المنفصل فاستدلّ بأنّه و إن تحقّق فيه الإخراج بالنسبة إلى أداة العام إلّا أنّ ظهورها في العموم يكون دليلًا على استعمالها في العموم لا في الخصوص، أي تعلّقت الإرادة الاستعماليّة بالعموم، و يكون الخاصّ قرينة على إرادة الخصوص لبّاً و جدّاً، و ما تعلّقت بالخصوص إنّما هو الإرادة الجدّية فقط، و المدار في الحقيقة و المجاز هو الإرادة الاستعماليّة لا الجدّية (انتهى).
و أورد عليه المحقّق النائيني (رحمه الله): بأنّ «الإرادة الاستعماليّة إن اريد بها إرادة إيجاد المعنى