أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٠ - الأمر الرابع في أنّ للعموم صيغة تخصّه
و يمكن أن يستدلّ له أيضاً بحكمة الوضع فبما أنّ الحكمة في وضع الألفاظ رفع الحاجات اليوميّة للناس فلا بدّ من وضع لفظ أو ألفاظ تدلّ على العموم لأنّ من جملة تلك الحاجات الحاجة إلى لفظ يدلّ على مقصود عام.
أضف إلى ذلك: أنّ الخصوص ليس له حدّ خاص و مرتبة معيّنة كي يمكن الالتزام بوضع هذه الألفاظ لذلك الحدّ، بل إنّه يؤدّى و يستفاد من طريق تخصيص العام فلا يمكن بيان الخاصّ بدون بيان العام، إذن فلا بدّ من وضع ألفاظ للعام لكي يخصّص و يصير طريقاً إلى بيان الخاصّ.
و استدلّ للخصم أي لوضع هذه الألفاظ للخاصّ بوجهين عقليين.
الأوّل: أنّ إرادة الخصوص و لو في ضمن العموم معلومة بخلاف العموم لاحتمال أن يكون المراد به الخصوص فقط، و جعل اللفظ حقيقة في المعنى المتيقّن أولى من جعله حقيقة في المعنى المحتمل.
الثاني: إنّه قد اشتهر التخصيص و شاع حتّى قيل «ما من عام إلّا و قد خصّ» الحاقاً للقليل بالعدم مبالغة، و الظاهر يقتضي كون اللفظ حقيقة في الأشهر الأغلب تقليلًا للمجاز.
أقول: كلا الدليلين لا يخلو من لا الضعف جدّاً.
أمّا الأوّل: فلأنّ كون إرادة الخصوص متيقّناً لا يوجب اختصاص الوضع به بل لا بدّ في وضع اللفظ من ملاحظة وجود الحاجة و عدمه، و الإنصاف أنّ هذا الاستدلال بهذا البيان في غاية الضعف.
أمّا الدليل الثاني: فلأنّه يتفرّع و يتوقّف على إيجاب التخصيص التجوّز و كون العام مجازاً في الباقي و سيأتي خلافه، مضافاً إلى أنّه لو سلّمنا كونه مجازاً فلا محذور في كثرة المجاز إذا كان المجاز بالقرينة و كان التخصيص مورداً للحاجة.
إلى هنا تمّت الامور التي كان ينبغي ذكرها مقدّمة و أمّا البحث عن مسائل العام و الخاصّ فيقع ضمن فصول: