أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٢ - من أداة الحصر كلمة «إنّما»
و لكن يرد عليه:
أوّلًا: أنّ ملاك التبادر ليس هو انسباق المعنى إلى أذهاننا فحسب، بل انسباق المعنى إلى أذهان أهل اللسان أيضاً حيث يعتبر سبيلًا إلى العلم بالوضع، و هو موجود في المقام.
و ثانياً: أنّ العرب مثلًا ليسوا منحصرين بمن تولّد على ذلك اللسان و عاش عليه، بل يعمّ أيضاً كلّ عجمي يمارس اللغة العربيّة، و قد ألّف كثير من الأعاجم الكتب النافعة في العلوم العربيّة من اللغة و غيرها.
ثمّ إنّ الفخر الرازي أنكر دلالة كلمة «إنّما» على الحصر، و قد صرّح بذلك في ذيل قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» [١] و قال: «قالت الشيعة: هذه الآية دالّة على أنّ الإمام بعد رسول اللَّه ٦ هو علي بن أبي طالب، و تقريره أن نقول: هذه الآية دالّة على أنّ المراد بهذه الآية إمام (لأنّ الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر فوجب أن يكون بمعنى المتصرّف لأنّ الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامّة لكلّ المؤمنين بدليل إنّه تعالى ذكر بكلمة «إنّما»، و كلمة «إنّما» للحصر، و الولاية بمعنى النصرة عامّة)، و متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب (لأنّ كلّ من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال: إنّ ذلك الشخص هو علي، مضافاً إلى أنّ الرّوايات تظاهرت على أنّ هذه الآية نزلت في حقّ علي) ...- إلى أن قال- «لا نسلّم أنّ الولاية المذكورة في الآية غير عامّة و لا نسلّم أنّ كلمة إنّما للحصر، و الدليل عليه قوله «إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ» و لا شكّ أنّ اللعب و اللهو قد يحصل في غيرها» [٢].
و الجواب عنه:
أوّلًا: أنّ مجرّد الاستعمال ليس دليلًا على الحقيقة و لا على المجاز كما مرّ كراراً.
ثانياً: أنّ الحصر في الآية إضافي، و المقصود منه زوال الدنيا و عدم ثباتها، أي أنّ الحياة الدنيا بالإضافة إلى أمر الثبات و عدم الثبات منحصرة في عدم الثبات، فمثلها في هذه الجهة مثل: «كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَاراً
[١] سورة المائدة: الآية ٥٥.
[٢] التفسير الكبير: ج ١٢، ص ٢٦- ٣٠، طبع دار الكتب العلمية طهران- الطبعة الثانية.