أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٠ - ٤- الكلام في مفهوم الحصر
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: إنّ المقدّر لخبر «لا» هو لفظ «موجود» أي لا إله موجود إلّا اللَّه، و لكن المراد من الإله هو واجب الوجود، و حينئذٍ نفي وجود غيره في الخارج و إثبات فرد من الواجب في الخارج ممّا يدلّ على امتناع غيره، إذ لو لم يكن الغير ممتنعاً لوجد في الخارج، لأنّ المفروض إنّه واجب لا ممكن.
الوجه الثاني: ما أفاده المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) و حاصله: سواء كان المقدّر لفظ «موجود» أو لفظ «ممكن» كان وجود الغير و إمكانه معاً منتفيان، إمّا بناءً على الأوّل فبنفس ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و أمّا بناءً على الثاني فلأنّه يكون المراد من الإله في هذا الحال أيضاً هو واجب الوجود، أي لا واجب ممكن إلّا اللَّه، فينفي إمكان الغير بالمدلول المطابقي و وجود الغير بالمدلول الالتزامي (على عكس الصورة الاولى) لأنّ ما ليس بممكن لا يكون موجوداً بالملازمة كما لا يخفى، كما أنّه يثبت إمكان وجود الباري تعالى بالمطابقة و وجوده في الخارج بالملازمة لأنّه إذا كان واجب الوجود ممكناً كان موجوداً لا محالة لوجوبه [١].
الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) فإنّه قال: «يمكن أن يقال: إنّ كلمة لا الواقعة في كلمة التوحيد مستغنية عن الخبر كما هو الحال في كلمة لو لا الامتناعيّة و في كلمة ليس التامّة، و أمّا ما ذكره النحويون من كون الخبر محذوفاً في هذه الموارد فلا يبعد أن يكون مرادهم به عدم الحاجة إلى الخبر فيها لا أنّه محذوف حقيقة، فكلمة «لا» تدلّ على عدم تقرّر مدخولها في الوعاء المناسب له، ففي الرّواية المعروفة (لو لا علي لهلك عمر) يكون المراد ترتّب الهلاك على عدم تقرّر علي ٧ في الخارج، لأنّ هذا هو الوعاء المناسب لتقرّره ٧، و إمّا في كلمة التوحيد فالمراد من التقرّر المنفي هو التقرّر مطلقاً و لو في مرحلة الإمكان، فتدلّ الكلمة المباركة على نفي الوجود و الإمكان عن غير اللَّه و إثبات كليهما له تبارك و تعالى» [٢].
أقول: الإنصاف أنّ ما أفاده العلمان الأوّلان (المحقّق الخراساني و المحقّق الأصفهاني رحمهما الله) كلاهما لا يكفيان لدفع الإشكال لأنّهما مبنيان على دقّة عقليّة فلسفيّة لا يفهمها إلّا الفيلسوف، مع أنّ المفروض أنّ هذه الكلمة من أي شخص صدرت تدلّ على إسلامه، و أمّا ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) فإنّه أيضاً غير تامّ لجهة اخرى و هي أنّه لم يثبت استعمال كلمة «لا» تامّة نظير ليس
[١] راجع نهاية الدراية: ج ١، ص ٣٣٢، من الطبع القديم.
[٢] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٤٠.