أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩ - ٤- الكلام في مفهوم الحصر
أحدها: إنّه من المفهوم.
ثانيها: إنّه من المنطوق.
ثالثها: التفصيل بين ما إذا قلنا بأنّ كلمة إلّا بمعنى «استثنى» فيكون داخلًا في المنطوق، و بين ما إذا قلنا بأنّها حرف من الحروف الربطيّة التي ليس لها معنى مستقلّ، فيكون مدلولها من قبيل المداليل الالتزاميّة، و يكون داخلًا في المفهوم.
أقول: إنّ مدلول كلمة إلّا الاستثنائيّة على أي حال- سواء كانت بمعنى الفعل أو كانت من الحروف- يكون من المنطوق، أمّا إذا كانت بمعنى الفعل فواضح، و أمّا إذا كانت حرفاً من الحروف فلأنّها حينئذٍ تكون من الحروف الإيجاديّة يوجد بها معنى الاستثناء كحروف النداء و حروف التمنّي و الترجّي التي يوجد بها مفهوم النداء و التمنّي و الترجّي، و تصير حينئذٍ بمنزلة كلمة «استثنى» و يصير مدلولها من قبيل المنطوق كما لا يخفى.
الأمر الثاني: قد يستدلّ لدلالة كلمة إلّا الاستثنائيّة على الحصر بقبول رسول اللَّه ٦ إسلام من يشهد بأن «لا إله إلّا اللَّه» حيث إنّه لو لا دلالته على حصر الالوهيّة للَّه تعالى لما كان مفيداً لذلك.
و استشكل على ذلك بأنّ الاستعمال ليس دليلًا على الحقيقة و لا على المجاز، و دلالة كلمة التوحيد على الحصر المزبور لعلّها من باب قيام قرينة حاليّة أو مقاميّة عليه لا من باب وضع كلمة إلّا للحصر.
أقول: الإنصاف أنّه خلاف الوجدان، فإنّه شاهد على أنّ الحصر في هذه الجملة مفهوم من نفس كلمة إلّا و من حاقّها لا من القرينة فيكون الاستدلال بكلمة التوحيد على الحصر من قبيل الاستدلال بالتبادر كما لا يخفى.
نعم هاهنا إشكال آخر، و هو المهمّ في المقام، و حاصله: إنّه لا بدّ لكلمة «لا» في تلك الجملة من خبر مقدّر، و هو امّا لفظ «موجود» أو «ممكن»، و على كلّ واحد منهما لا تدلّ الجملة على التوحيد الكامل، لأنّها تدلّ على التقدير الأوّل على مجرّد حصر الإله في الباري تعالى، و لا تدلّ على نفي إمكان الغير، و على التقدير الثاني و إن كانت دالّة على نفي إمكان الشريك له تعالى حينئذٍ و لكنّها لا تدلّ على وجوده تعالى في الخارج.
و قد وقع الإعلام في حلّ هذا الإشكال في حيص و بيص و أجابوا عنه بوجوه: