أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧ - ٤- الكلام في مفهوم الحصر
٤- الكلام في مفهوم الحصر
إنّ للحصر أدوات:
منها: كلمة «إلّا» الاستثنائيّة (إذا وردت بعد النفي) فقام الإجماع و وقع الاتّفاق فيها (غير ما نسب إلى أبي حنيفة) على انتفاء الحكم الثابت للمستثنى منه عن المستثنى، و الدليل عليه هو التبادر، ففي قولك «ما جاء القوم إلّا زيداً» لا إشكال في أنّ المتبادر منه إخراج زيد عن حكم المجيء الثابت للقوم، و هذا جارٍ في كلّ ما يعادل كلمة «إلّا» في سائر اللغات.
و نسب الخلاف إلى أبي حنيفة، و حكي إنّه احتجّ لمذهبه بقوله ٦، «لا صلاة إلّا بطهور» و قوله ٦، «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» إذ لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لزم كفاية الطهور أو الفاتحة في صدق الصّلاة، و إن كانت فاقدة لباقي الشرائط و الأجزاء، و هو كما ترى.
و اجيب عنه: بوجوه أحسنها أنّه غفل عن كلمة «الباء» في المثالين، حيث إنّها فيهما بمعنى «مع» و مفادهما حينئذٍ: إنّ من شرائط صحّة الصّلاة فاتحة الكتاب و الطهور، نعم لو قيل: «لا صلاة إلّا فاتحة الكتاب» أو «لا صلاة إلّا الطهور» من دون الباء كان لكلامه وجه.
سلّمنا، و لكن الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز، و مجرّد الاستعمال لا يكون دليلًا على الحقيقة أو المجاز، بل الميزان في تشخيص أحدهما عن الآخر هو التبادر و نحوه من الاطّراد و غيره، و لا إشكال في أنّ التبادر في ما نحن فيه يقضي على دلالة كلمة «إلّا» على الاستثناء.
و للمحقّق النائيني (رحمه الله) هنا تفصيل مرّ منه في بعض الأبحاث السابقة أيضاً، فإنّ المعيار الكلّي عنده في باب المفاهيم رجوع القيد إلى الحكم أو إلى الموضوع.
و بعبارة اخرى: رجوع القيد إلى الجملة أو إلى المفرد، فإن رجع إلى الجملة فله المفهوم، و إن رجع إلى المفرد فليس له المفهوم، و هنا صرّح بأنّ كلمة «إلّا» كلّما رجع إلى المفهوم الإفرادي فهي وصفية لا تدلّ على المفهوم، و كلّما رجعت إلى المفهوم التركيبي فهي استثنائيّة تدلّ على