أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٢ - الأقوال في المسألة
الخامس: سلّمنا و لكن إطلاق الآية قابل للتقييد بالمستقلّات العقليّة، فإنّ هذا الظهور دليل ظنّي و ذاك دليل قطعي.
فتلخّص من جميع ما ذكر أنّ الاستدلال بالآية لنفي الملازمة غير تامّ بالوجوه الثلاثة الأخيرة.
الوجه الثاني: لعدم الملازمة: ما يدلّ من الرّوايات على خلوّ كلّ شيء عن الحكم قبل ورود الشرع و أنّ كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي [١].
و الجواب عن هذا الاستدلال هو الوجهان الأخيران من الوجوه الخمسة المذكورة في الجواب عن الدليل الأوّل:
أحدهما: انصراف إطلاقها إلى الغالب، و الثاني: أنّ الإطلاق على فرض ثبوته قابل للتقييد.
الوجه الثالث: ما ذكر في علم الكلام من استناد لزوم بعث الرسل إلى قاعدة اللطف لأنّ تمام اللطف و كماله متوقّف على تأكيد أحكام العقل بأدلّة سمعية و إمضائها من ناحية بعث الرسل.
و الجواب عن هذا واضح، و هو ما مرّ في البحث عن الإجماع اللطفي، فقد ذكرنا هناك أنّ الواجب من اللطف عبارة عن إيجاد الحدّ الأقل من تهيئة أسباب الرشد و الكمال بحيث لو لم يعدّها المولى لكان مقصّراً في أداء وظيفته و ناقضاً لغرضه.
الوجه الرابع: ثبوت الأحكام العقليّة في حقّ الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة مع عدم كونه مكلّفاً بوجوب و لا تحريم باتّفاق جميع الفقهاء لحديث رفع القلم.
و فيه: أنّه يمكن أن يقال أنّ حديث رفع القلم ناظر إلى غالب الأحكام و يكون منصرفاً عن المستقلّات العقليّة، فهل يمكن أن يفتي أحد من الفقهاء بجواز قتل النفس المحترمة و الظلم على الناس و غير ذلك من القبائح لمثل هذا الصبي ويحكم بعدم عقابه في الآخرة؟ كلّا- و لا زال فكري مشغولًا بهذا و كنت أستبعده منذ الزمن القديم، و الإنصاف هو الحكم بتحريم مثل هذه الامور على الصبي المذكور.
فإن قلت: فلما ذا لا يجري عليه أحكام القصاص بل يكتفي فيه بأخذ الدّية و صرّح الفقهاء بأنّ عمد الصبي خطأ.
[١] وسائل الشيعة: الباب ١٢، من أبواب صفات القاضي، ح ٦٠.