أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤٦ - الأمر الأوّل في الظنّ بالامور الاعتقاديّة
دون عسر و لا شيء آخر، و لا تقاس بالفروع العمليّة المطلوب فيها مطابقة عمل الجوارح مع الواقع لأنّ الفروع العمليّة إذا انسدّ باب العلم فيها لا يمكن العلم بمطابقة عمل الجوارح مع الواقع إلّا بالاحتياط التامّ في الشبهات، و هذا ما يوجب العسر، فلا يجب شرعاً، أو يوجب الإخلال بالنظام فيحرم عقلًا، و حينئذٍ لا شيء أقرب إلى الواقع من العمل على وفق الظنّ.
القسم الثاني: ما يعلم بوجوب تحصيل العلم به تفصيلًا على المكلّف بحكم العقل ثمّ الاعتقاد به و عقد القلب عليه و هو كما في التوحيد و النبوّة و الإمامة و المعاد.
ففي هذا القسم لا ينبغي التأمّل في عدم جواز الاكتفاء بالظنّ، لأنّ الواجب عقلًا و شرعاً إنّما هو المعرفة، و الظنّ ليس بمعرفة قطعاً، فلا بدّ من تحصيل العلم لو أمكن، و مع العجز عنه يصير معذوراً، و لا دليل حينئذٍ على جريان مقدّمات الانسداد، أي لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظنّ مع اليأس عن تحصيل العلم في المقام، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه بل بعدم جوازه.
القسم الثالث: ما يشكّ في وجوب المعرفة التفصيلية به و عدمه، فأصالة البراءة من وجوبها محكّمة (و لا تختصّ أصالة البراءة بالفروع العمليّة لعموم أدلّتها)، و حينئذٍ لا معنى لجريان مقدّمات الانسداد.
إن قلت: المرجع عند الشكّ هو عموم وجوب المعرفة المستفاد من قوله تعالى: «وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِي» [١] الذي فسّرت العبادة فيه بالمعرفة، و قوله ٦: «ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصّلاة» [٢] و عمومات وجوب التفقّه و طلب العلم من الآيات و الرّوايات.
قلنا: لا دلالة لشيء ممّا ذكر من الآيات و الرّوايات بالعموم على وجوب المعرفة في جميع المسائل الاعتقاديّة تفصيلًا.
أمّا قوله تعالى: «و ما خلقت» فلأنّ المستفاد منه هو خصوص معرفة اللَّه لا معرفة من سواه، و أمّا النبوي المذكور فلأنّه في مقام بيان فضيلة الصّلاة و أهميّتها و لا يستفاد منه إطلاق و لا عموم لوجوب المعرفة.
[١] سورة الذاريات: الآية ٥٦.
[٢] وسائل الشيعة: الباب ١٠، من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ح ١.