أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩ - المقام الثاني في تداخل المسبّبات
أقول: نحن نوافقه فيما أفاده لو كان مرجعه إلى إطلاق الخطابين حيث إنّه إذا كان كلّ واحد من الخطابين مطلقاً بالنسبة إلى الآخر فكان مردّ قوله «أكرم عالماً» مثلًا إلى قوله «أكرم عالماً سواء كان هاشمياً أو غير هاشمي» و كذلك كان مرجع قوله «أكرم هاشمياً» إلى قوله «أكرم هاشمياً سواء كان عالماً أو غير عالم» فلا إشكال في كفاية إتيان متعلّق العنوانين مرّة واحدة عن امتثال كلا الخطابين، و لا يبعد أن يكون ذلك هو مراد المحقّق النائيني (رحمه الله) أيضاً.
و التحقيق في المسألة أن يقال: إنّ النسبة بين متعلّقي دليلين تتصوّر على أربعة وجوه: فتارةً تكون النسبة هي التباين، و حينئذٍ لا موقع للتداخل كما لا يخفى.
و اخرى تكون النسبة بين العنوانين هي التساوي، فلا معنى أيضاً للبحث عن تداخلهما لأنّهما متداخلان دائماً، و لا يمكن الانفكاك بينهما، بل لا يمكن أن يكلّف المولى بماهيّة مرتين إلّا أن يرجع خطابه في كلّ مرّة إلى فرد خاصّ من الماهيّة فيتعلّق كلّ واحد من الخطابين بأحدهما، و حينئذٍ ترجع النسبة لا محالة إلى التباين أيضاً كما في القسم الأوّل لأنّ كلّ واحد منهما بتشخّصاته الفرديّة مباين للآخر.
و ثالثة: نسبة العموم من وجه.
و رابعة: العموم المطلق.
و محلّ البحث في المقام إنّما هو هذان الوجهان الأخيران، و لا إشكال في أنّ العناوين فيهما تارةً تكون من العناوين القصديّة كعنوان الصّلاة و الصّوم و نحوهما من العناوين الموجودة في أبواب العبادات، و اخرى من العناوين غير القصديّة، فتصير الصور حينئذٍ أربعة.
و الصحيح أنّ مقتضى القاعدة هو التداخل مطلقاً في جميع الصور الأربعة لو كنّا نحن و الأدلّة الشرعيّة و إطلاقها ما لم تنصب قرينة على التداخل أو عدمه، فإنّ مقتضى إطلاق الخطابين- كما مرّ- هو كفاية الإتيان بمجمع العنوان في العامين من وجه، و كفاية الإتيان بالخاصّ في العموم و الخصوص المطلق.
و لا يتوهّم أنّ الإتيان بخصوص ذلك يخالف تعدّد التكليف، لأنّ المفروض أنّ مجمع العنوانين واجد لكلتا المصلحتين، نظير ما إذا أمر الطبيب المريض بأكل مطلق الفاكهة مثلًا لرفع دائه، و أمره أيضاً بأكل فاكهة خاصّة لرفع داء آخر، فلا إشكال في جواز الاكتفاء بأكل تلك الفاكهة الخاصّة و حصول كلتا المصلحتين بها.