أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٥ - ٣- حجّية الشهرة الظنّية
يكون من الكبرى الكلّية التي يصحّ التعدّي عن مورده» [١].
و حاصل كلامه: أنّ نفي الريب هاهنا ليس المراد به نفي الريب بقول مطلق لوجود الريب قطعاً و إلّا لم يكن مورداً للسؤال، بل المراد به نفي الريب بالنسبة إلى ما يقابله من الخبر الشاذّ النادر، و مثل هذا المعنى ليس قابلًا لأن يكون علّة سارية لوجوب الأخذ في جميع الموارد، للقطع بعدم حجّية بعض ما يكون الريب فيه أقلّ بالنسبة إلى ما يقابله (كاختلاف مراتب الكذّاب في الكذب).
و أجاب عنه بعض الأعاظم: «أنّ الكبرى ليست مجرّد كون الشيء مسلوباً عند الريب بالإضافة إلى غيره حتّى يتوهّم سعة نطاق الكبرى بل الكبرى كون الشيء ممّا لا ريب فيه بقول مطلق عرفاً بحيث يعدّ الطرف الآخر شاذّاً نادراً لا يعبأ به عند العقلاء و هذا غير موجود في الموارد التي أشار إليها (قدس سره)، فإنّ ما ذكره من الموارد ليس ممّا لا ريب فيه عند العرف» [٢] و هو جيّد.
الخامس: (و هو العمدة) أنّ المراد من الشهرة فيها هو الشهرة بمعنى الوضوح، أي الشهرة اللغويّة لا الشهرة المصطلحة (و في الواقع وقع الخلط بينهما، و نظيره كثير في طيّات كتب الفقه و الاصول) ففي مقاييس اللغة: «الشهرة وضوح الأمر، و شهر سيفه إذا انتضاه» و في النهاية:
«الشهر الهلال سمّي به لشهرته و ظهوره» و في لسان العرب: «الشهرة ظهور الشيء في شنعة حتّى يشهره الناس».
و في مفردات الراغب: «شهر فلان و اشتهر يقال في الخير و الشرّ» و في الصحاح (نقلًا من لسان العرب): «الشهرة وضوح الأمر».
و في مجمع البحرين: «الشهرة ظهور الشيء في شَنعة حتّى شهره الناس».
إذن فيكون معنى قول الإمام في الروايتين: «خذ بما صار واضحاً عند أصحابك» و لا إشكال في أنّ هذا المعنى من الشهرة أو أنّ هذه الدرجة من الشهرة تصل إلى مرتبة القطع العرفي العادي، فليس المراد من عدم الريب عدم الريب بالنسبة إلى ما يقابله، بل عدم الريب مطلقاً،
[١] فوائد الاصول: ج ٣، ص ١٥٤- ١٥٥.
[٢] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ١٧١، من الطبع القديم، و ص ١٠٢، من طبع جماعة المدرّسين.