أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٢ - ٣- حجّية الشهرة الظنّية
ثانياً: أنّ هذا يتمّ لو كان مناط حجّية خبر الواحد هو حصول الظنّ منه بالحكم الشرعي، و حينئذٍ لا خصوصيّة للظنّ الحاصل من الشهرة بل إنّه يدلّ على حجّية كلّ ظنّ كان في مرتبة ذلك أو أقوى منه، و أمّا لو كان مناط حجّيته مجهولًا فلا يتمّ ذلك.
إن قلت: هذا إذا كان دليل حجّية خبر الواحد من الأدلّة النقلية فحينئذٍ و إن علمنا إجمالًا أنّ الشارع جعل حجّية الظنّ لكاشفيته و أماريته على الواقع لكن لا نعلم كونها تمام الملاك، فلا يقاس بخبر الواحد غيره، و أمّا إذا قلنا أنّ دليل الحجّية هو بناء العقلاء فلا ريب أنّ الملاك كلّ الملاك عندهم هو الكشف الظنّي عن الواقع و المفروض أنّ هذا الكشف موجود في الشهرة بدرجة أقوى.
قلنا: أوّلًا: يمكن أن يكون شيء حجّة عند العقلاء بملاك و لكن الشارع أمضى بنائهم بملاك آخر، كما أنّ الكعبة مثلًا كانت في عصر الجاهلية محترمة عند الناس لأنّها مكان أصنامهم، و الشارع أيضاً عدّها محترمة بملاك آخر قطعاً، و كذلك الصفا و المروة فإنّهما كانا محترمين عندهم لأنّهما مكان نصب صنمين معروفين من أصنامهم: أساف و نائلة، و لكن الإسلام جعلهما من شعائر اللَّه بملاك آخر قطعاً، و لعلّ ما نحن فيه كذلك، فكان خبر الواحد حجّة عند العقلاء بملاك و عند الشارع بملاك آخر، كما يشهد له حكم الشارع في الخبرين المتعارضين المتساويين بالتخيير مع أنّهما يتساقطان في الحجّية و الاعتبار عندهم، و على كلّ حال لا ملازمة بين إمضاء النتيجة و إمضاء الملاك.
ثانياً: نحن لا نقبل كون ملاك الحجّية عند العقلاء أيضاً حصول مطلق الظنّ من خبر الواحد، بل الحجّية عندهم ظنّ خاصّ حاصل من منشأ خاصّ، و لذلك لا يُعتنى عندهم بظنّ القاضي و لو كان أقوى من الظنّ الحاصل من شهادة الشهود.
الأمر الثاني: ما ورد في مقبولة و مشهورة:
أمّا الاولى: ما ورد في مقبولة: فهي ما رواه عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد الله ٧ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما ... (إلى أن قال): فإن كان كلّ واحد اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلف فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم (حديثنا) فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر»، قال فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند