أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٦ - المسلك الثاني الإجماع اللطفي
و قسم ثالث ليس لا من هذا و لا من ذاك، و هو بنفسه على قسمين: قسم يرجع إلى العبد، و قسم يرجع إلى المولى، فالأوّل كالتعلّم إمّا اجتهاداً أو تقليداً، و لا ريب في أنّ تحصيل هذا يكون على عهدة العبد، فلو لم يحصّله يعدّ عند العقلاء مقصّراً، و أمّا الثاني فهو أيضاً يكون على قسمين: قسم منه يجب إيجاده من جانب المولى بحيث لو لم يفعله يعدّ مقصّراً و ناقضاً لغرضه، و قسم آخر ليس إلى هذا الحدّ فلا يصدق عليه نقض الغرض.
و إن شئت فمثّل لهذين القسمين بالقوانين المجعولة للسياقة و حركة المرور حيث إنّه لا إشكال في أنّها يمكن أن تكون على نوعين: منها ما يكون نظير بسط الشوارع و رسم الخطوط و أخذ الغرامة و نصب العلامات فإنّها من المقدّمات التي لو لم يحقّقها المسئولون و حصل من هذه الناحية الهرج و المرج كانوا مقصّرين في أداء وظائفهم، و منها ما ليس على هذا المستوى كنصب مراقب على كلّ سيارة فلا ريب في عدم لزومه عليهم.
كذلك في ما نحن فيه، فإنّ إرسال الرسل و إنزال الكتب و تعيين الثواب و العقاب و الحدود و التعزيرات و إيجاد ظروف التعليم و التعلّم يكون من القسم الأوّل، و هي مقتضى قاعدة اللطف، فإنّ اللطف يقتضي إيجاد المقدار اللازم من المقدّمات، و أمّا الأكثر من ذلك فلا يستفاد لزومه من هذه القاعدة.
فتحصّل من جميع ذلك أنّ اللطف الواجب هو ما يعدّ تركه من المولى الحكيم نقضاً للغرض.
هذا كلّه بالنسبة إلى الكبرى.
أمّا الصغرى و تطبيق القاعدة على المقام فلم يقبلها أكثر الفقهاء لعدم وضوح المصلحة التي اقتضت اختفاء الإمام ٧، فلعلّها هي امتحان الناس بالغيبة كما امتحن قوم بني إسرائيل بغيبة موسى ٧ و ذهابه إلى جبل طور في فترة من الزمان، أو أنّها حفظ نفس الإمام ٧ كما ورد في بعض الرّوايات، و اقتضت الحكمة الإلهيّة حصر عددهم في اثني عشر، أو عدم قابلية الناس و عصيانهم، فلو صلحوا و أطاعوا أوامرهم لظهر الإمام ٧.
و على كلّ حال نفس المصلحة التي تقتضي خفاءه و غيبته قد تكون موجودة في اختفاء بعض الأحكام فتقتضي عدم إظهارها على كلّ حال.
و بعبارة اخرى: نفس السبب الذي أوجب غيبة الإمام ٧ يشمل بعض الأحكام الفرعيّة التي أجمع العلماء على الخطأ فيها في عصر واحد.