أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٥ - المسلك الثاني الإجماع اللطفي
و قال بعض المحقّقين ممّن قارب عصرنا: أنّ مراد المتكلّمين من قاعدة اللطف هو ما يسمّى عند علماء الحقوق في يومنا هذا بضمانة الإجراء، فإنّهم بعد وضع القوانين يضعون لإجرائها ضامناً من الحبس و الجريمة و غيرها ممّا يوجب الحركة نحو امتثال الواجبات و الاجتناب عن المحرّمات، فهي بحسب الحقيقة لطف بالنسبة إلى من يكون مكلّفاً بهذه القوانين، فكذلك في ما نحن فيه.
و لكن الإنصاف أنّ المراد من اللطف في كلماتهم معنى أوسع من ذلك، لأنّه يشمل أيضاً ما يوجب إيجاد ظروف ثقافيّة و فكريّة لتكميل النفوس القابلة و الإرشاد إلى مناهج الصلاح من بعث الرسل و إنزال الكتب و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإنذار و التبشير، و لذلك يعدّ من أهمّ أدلّة لزوم بعث الرسل قاعدة اللطف، و لا إشكال في أن الغرض من إنزال الكتب السماويّة و إرسال الرسل الإلهية ليس منحصراً في الإنذار و الوعد و الوعيد بل يعمّ إيجاد تلك الظروف التربويّة أيضاً.
و كيف كان، لا بدّ من البحث أوّلًا: في كبرى القاعدة و ثانياً: في تطبيقها على المقام.
أمّا الكبرى فاستدلّ لها بلزوم نقض الغرض، لأنّ المولى أو المقنّن المشرّع عليه أن يوجد شرائط و مقدّمات إجراء أحكامه و قوانينه، و لو كان الغرض من الجعل إنفاذها في الخارج فهو، و إلّا لنقض غرضه، و هذا كمن يدعو رجلًا إلى داره و يريد إكرامه و مع ذلك لا يهيئ مقدّماته من إرسال رسالة إليه مثلًا و غيرها من سائر المقدّمات التي يعلم أنّه لولاها لما استجاب دعوته فيعدّ عند العقلاء ناقضاً للغرض، كذلك في المقام فإنّ اللَّه سبحانه و تعالى خلق الإنسان ليوصله إلى الكمال بطاعته و ترك معصيته، و هذا يحتاج إلى بعث الرسل و إنزال الكتب و الإرشادات المستمرّة و جعل تكاليف كالصلاة و الصّوم و الحجّ، و إلّا فقد نقض غرضه.
قلنا: أنّ هذا مقبول تامّ و لكنه بالنسبة إلى الشرائط و المقدّمات التي يوجب عدمها نقض الغرض لا غير.
و بعبارة اخرى: المقدّمات على ثلاثة أقسام: قسم منها يعدّ من شرائط القدرة، و لا إشكال في لزوم حصول هذا القسم.
و قسم آخر منها يوجب حصولها الإجبار في العمل أو الترك، و لا إشكال في منافاته للتكليف لأنّ المفروض كون العبد مختاراً.