أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٨ - الأمر الثالث في اختلاف القراءات
نعم، هذا كلّه فيما إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، و سيأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء اللَّه أنّ المختار خلافاً للمشهور عدمه، و حينئذٍ تصل النوبة إلى أصالة الإباحة (كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام) و لا إشكال في جريانها في الشبهات الحكمية، أو إلى البراءة العقليّة.
و لكن هذا كلّه فيما إذا كانت الآية من أمثلة النزاع في ما نحن فيه، أي كان اختلاف القراءة فيها موجباً لاختلاف المعنى و الحكم، مع أنّه أوّل الكلام، لأنّه لقائل أن يقول: أنّ قوله تعالى:
«يطهرن» على كلا الوجهين يكون بمعنى النقاء عن الدم لأنّ كون «يطهرن» على الوجه الثاني (أي كونها من باب التفعّل) مبني على اعتبار كون الفعل اختياريّاً في باب التفعّل و المطاوعة لأنّه بناءً على هذا الاعتبار لا يمكن أن يكون يطهّرن (بالتشديد) بمعنى النقاء لعدم كونه من الأفعال الاختياريّة بخلاف معنى الاغتسال.
لكن لا دليل على هذا الاعتبار، بل كثيراً ما يدخل في باب التفعّل ما لا يكون اختياريّاً كما في قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ» و قوله تعالى: «تَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ». مضافاً إلى وجود قرينتين في الآية على كون «يطهرن» بمعنى النقاء: إحداهما: كلمة المحيض و أنّها موجبة لوجوب الاعتزال لأنّ الحيض بمعنى سيلان الدم، و التطهّر من الحيض يساوق عدم السيلان و انقطاع الدم. الثانية وحدة السياق فإنّها تقتضي كون الغاية في الجملة الاولى (و لا تقربوهنّ حتّى يطهرن) و الشرط في الجملة الثانية (فإذا تطهّرن فأتوهنّ) بمعنى واحد، و حيث إن «تطهّرن» في الجملة الثانية بمعنى النقاء بلا إشكال فلتكن «يطهرن» في ما نحن فيه أيضاً بهذا المعنى.
ثمّ ليعلم أنّ لهذه المسألة في الفقه روايات خاصّة عديدة، بعضها تدلّ على جواز الوقاع قبل الغسل و بعضها تدلّ على عدم الجواز و مقتضى الجمع بينهما هو الجواز مع الكراهة، و الكراهة الشديدة إذا لم تغسل الموضع.
بقي هنا شيء:
و هو أنّه كيف يجمع بين القول باختلاف القراءات مع سرايته إلى المعنى أحياناً و بين وعده تعالى بحفظ القرآن في آية الحفظ؟