أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٣٤ - الطائفة الثانية وقع الخلط بين الرّوايات و الحديث القدسي
و أمّا الأوّل فالحقّ إنّه أسوأ حالًا من الثاني و الثالث لأنّه لا خصوصيّة لمصحف عثمان بل محلّ البحث عن وقوع التحريف و عدمه إنّما هو القرآن النازل على النبي ٦ و المفروض في كلامه أنّ استاذه ادّعى التحريف فيه.
و بالجملة: إنّ هذا من الموارد التي يكون الاعتذار فيها الخطأ، و لقد أجاد بعض الأعاظم في أمثال هذا المقال حيث قال: الاعتراف بالخطإ في كثير من الموارد أهون من الاعتذار، فإنّ الخطأ و النسيان كالطبيعة الثانية للإنسان.
الطائفة الثانية: وقع الخلط بين الرّوايات و الحديث القدسي ...
قد تكون الرّوايات تامّة من ناحية السند إلّا أنّه وقع الخلط فيها بين الحديث القدسي أو الدعاء المأثور من جانب النبي ٦ أو الأئمّة و بين آيات القرآن العظيم.
و الفرق بين الحديث القدسي و القرآن يظهر بما ذكره المحقّق القمّي (رحمه الله) في القوانين و إليك نصّه: «المنزل من اللَّه على قسمين: قسم أنزل على سبيل الاعجاز و هو القرآن، و قسم أنزل لا على سبيل الاعجاز، و هو الحديث القدسي (و هذه الأحاديث نُزّل بعضها على موسى ٧ و بعضها على عيسى ٧ و بعضها على رسول اللَّه في ليلة المعراج و غيرها».
و من هذه الرّوايات ما رواه أبو حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل، قد قرءوا القرآن، فقال أنتم خيار أهل البصرة و قرّاؤهم، فاتلوه و لا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، و إنّا كنّا نشبّهها في الطول و الشدّة ببراءة فأنسيتها غير أنّي قد حفظت منها: «لو كان لابن آدم واديان من مال لأبتغى وادياً ثالثاً و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب» و كنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها بإحدى المسبّحات فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: «يا أيّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقهم فتسألون عنها يوم القيامة» [١].
فإنّ هذه العبارات تنادي بأعلى صوتها بأنّها من الأحاديث القدسيّة لو ثبتت صحّة إسنادها.
[١] البيان: نقلًا عن صحيح مسلم ج ٣، ص ١٠٠؛ و في فصل الخطاب أوائل الدليل الثامن نقلًا عن السيوطي في درّ المنثور.