أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٩ - المقدمة الثالثة متى جمع القرآن؟
أن لا برداء إلّا للصلاة حتّى اؤلّف القرآن و أجمعه [١].
و هذه الرّواية بقرينة قوله «تنزيله و تأويله و الناسخ منه و المنسوخ» الذي هو بدل عن الضمير في قوله «جمعه و كتبه» و كذلك سائر الرّوايات الواردة في الباب تدلّ على أنّ القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين كان تفسيراً للقرآن و شرحاً لمعاني آياته و مواقع بيّناته لا أنّه كان فيه زيادة على هذه الآيات الموجودة أو تغيير.
و أمّا الأمر الأوّل فقد وردت روايات صريحة طائفة منها أنّ القرآن جمع على عهد أبي بكر، و صريحة طائفة اخرى منها أنّ الجمع كان على عهد عمر، و ظاهر طائفة ثالثة منها أنّه كان في زمن عثمان فهي متناقضة في أنفسها فلا يمكن الاعتماد على شيء منها، و لعلّ صدورها من باب تكثير المناقب كما مرّت الإشارة إليه سابقاً.
هذا- مضافاً إلى أنّ المستفاد من بعض الرّوايات أنّ عثمان إنّما أمر بجمع القرآن لحمل الناس على القراءة بوجه واحد، و هي القراءة المشهورة بين الناس (كما أشرنا إليه سابقاً)، و المنع عن القراءات الاخرى، لا أنّه جمع الآيات و السور في مصحف، ففعل ما لم يفعل في زمن النبي ٦، و اختلاف القراءات لم يكن مقصوراً على مجرّد اختلاف الاعراب و الحركات بل يعمّ التغيير لبعض الكلمات أيضاً كما روي أنّ عمر كان يقرأ في سورة الجمعة: «فامضوا» بدلًا عن قوله تعالى: «و اسعوا».
ففي بحار الأنوار عن البخاري و الترمذي عن الزهري عن أنس بن مالك: «أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان و كان يغازي أهل الشام في فتح ارمينية و آذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن فقال حذيفة لعثمان: أدرك هذه الامّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود و النصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت و عبد اللَّه بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، و قال عثمان للرهط القرشيّين: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش
[١] بحار الأنوار: ج ٩٢، ص ٤٠، الطبع الحديث، و ج ١٩، ص ١١، الطبع القديم، و كتاب سليم بن قيس: ص ٨١.