أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٦ - المقدمة الثالثة متى جمع القرآن؟
و منها: ما يشبه الدليل العقلي، و هو عبارة عن عظمة القرآن في نفسه و أنّه بمنزلة القانون الأساسي لجميع أبعاد حياة الإنسان و المجتمع البشري و تمام رأس مال المسلمين، و هذا يقتضي اهتمام النبي ٦ بحفظه و قراءته و اهتمام المسلمين بما يهتمّ به النبي ٦.
و إن شئت قلت: إذا قلنا بأنّ النبي ٦ كان لازماً عليه تعيين الإمام بعده لكونه حافظاً للشرع فبطريق أولى كان واجباً عليه أن يجمع القرآن الذي هو متن الشرع و قانون الشريعة و معارف الإسلام و مصابيحه.
و ينبغي هنا نقل ما ذكره في هذا المجال في كتاب البيان من «أنّ في القرآن جهات عديدة كلّ واحد منها تكفي لأن يكون القرآن موضعاً لعناية المسلمين و سبباً لاشتهاره حتّى بين الأطفال و النساء منهم فضلًا عن الرجال و هذه الجهات هي:
١- بلاغة القرآن: فقد كانت العرب تهتمّ بحفظ الكلام البليغ و لذلك يحفظون أشعار الجاهلية و خطبها فكيف بالقرآن الذي تحدّى ببلاغته كلّ بليغ و أخرس بفصاحته كلّ خطيب لسن؟ و قد كانت العرب بأجمعهم متوجّهين إليه سواء في ذلك مؤمنهم و كافرهم، فالمؤمن يحفظه لإيمانه، و الكافر يتحفّظ به لأنّه يتمنّى معارضته و إبطال حجّته.
٢- إظهار النبي ٦ رغبته بحفظ القرآن و الاحتفاظ به، و كانت السيطرة و السلطة له خاصّة، و العادة تقضي بأنّ الزعيم إذا أظهر رغبته بحفظ كتاب أو بقراءته فإنّ ذلك الكتاب يكون رائجاً بين جميع الرعيّة الذين يطلبون رضاه لدين أو دنيا.
٣- أنّ حفظ القرآن سبب لارتفاع شأن الحافظ بين الناس و تعظيمه عندهم فقد علم كلّ مطّلع على التاريخ ما للقرّاء و الحفّاظ من المنزلة الكبيرة، و المقام الرفيع بين الناس، و هذا أقوى سبب لاهتمام الناس بحفظ القرآن جملة أو بحفظ القدر الميسور منه.
٤- الأجر و الثواب الي يستحقّه القارئ و الحافظ بقراءة القرآن و حفظه.
هذه أهمّ العوامل التي تبعث على حفظ القرآن و الاحتفاظ به، و قد كان المسلمون يهتمّون بشأن القرآن و يحتفظون به أكثر من اهتمامهم بأنفسهم و بما يهمّهم من مال و أولاد، و قد ورد أنّ بعض النساء جمعت جميع القرآن ... و إذا كان هذا حال النساء في جميع القرآن فكيف يكون حال الرجال؟ و قد عدّ من حفّاظ القرآن على عهد رسول اللَّه ٦ جمّ غفير، قال القرطبي:
«قد قتل يوم اليمامة سبعون من القرّاء و قتل في عهد النبي ٦ ببئر معونة مثل هذا العدد، و قد