أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٧ - الأمر الثالث في تأسيس الأصل في المسألة
الأمر الثالث: في تأسيس الأصل في المسألة
إنّ الأمارة الظنّية قد يعلم حجّيتها و قد يعلم عدم حجّتها، و قد يقع الشكّ فيها فإذا وقع الشكّ، فهل الأصل حجّيتها إلّا ما خرج بالدليل أو العكس، أي أنّ الأصل عدم حجّيتها إلّا ما خرج؟
لا خلاف في أنّ الأصل هو الثاني، أي عدم الحجّية، إنّما الخلاف في طريق الاستدلال عليه، فذكر شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) له طريقاً، و للمحقّق الخراساني (رحمه الله) طريق آخر، فاستدلّ الشيخ (رحمه الله) بأنّ أصالة حجّية الظنّ معناها جواز الاستناد إلى الظنّ و الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه في حقّه، مع أنّ هذا الاستناد عند الشكّ حرام بالأدلّة الأربعة ما لم يدلّ دليل على جوازه.
و قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) تضعيفاً لذلك ما ملخّصه: أنّ صحّة الالتزام بما أدّى إليه الظنّ من الأحكام و صحّة نسبته إليه تعالى لا دخل لهما بمسألة الحجّية كي إذا لم تصحّ الالتزام و النسبة كشف ذلك آناً عن عدم الحجّية، و ذلك كما في الظنّ على الانسداد و الحكومة فإنّه حجّة عقلًا كالعلم في حال الانفتاح مع عدم صحّة الالتزام بما أدّى إليه و عدم صحّة نسبته إليه تعالى، إذ المفروض عدم القول بالكشف و أنّ الظنّ طريق منصوب من الشرع، بل هو حجّة عقلًا يجب العمل على طبقه و الحركة على وفقه، أي يقبح عقاب العبد على أزيد من ذلك، و لو فرض صحّة الالتزام و النسبة فيما شكّ في اعتباره لم يُجد في إثبات حجّيته ما لم يترتّب عليه آثار الحجّية من المنجّزيّة و المعذّريّة، و مع فرض ترتّب آثار الحجّية لم يضرّ عدم صحّتهما كما عرفت في الظنّ على الانسداد و الحكومة فالمدار في الحجّية و عدمها على ترتّب آثارها و عدم ترتّبها لا على صحّة الالتزام و النسبة و عدمهما.
أقول: إنّه إشكال وارد في بدء النظر، بل يمكن تأييده بأنّ مسألة صحّة الإسناد و الالتزام من الأحكام الفرعيّة الفقهيّة، و مسألة الحجّية مسألة اصوليّة لا ربط بينهما، و لكن عند الدقّة و التأمّل يمكن الجواب عنه و الدفاع عن مقالة الشيخ (قدس سره) بأنّ مراده من صحّة الإسناد و الالتزام و عدمها هو مدلولها الالتزامي أي الحجّية، حيث إن الحجّية الشرعيّة تلازم جواز الإسناد و الالتزام، و البحث في الحجّية الشرعيّة لا الحجّية العقليّة، و طرح المسألة بهذا النحو و إن كان يجعلها من المسائل الفقهيّة لكن تثبت به الحجّية آناً.
و إن شئت قلت: أنّ صحّة الالتزام و النسبة و إن لم يكونا من آثار الحجّية لما عرفت من