أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٦ - بيان المختار في المقام
طريقيتهم في دائرة القوانين العرفيّة العقلائيّة، و لا شكّ في وجود المصلحة السلوكيّة فيها أيضاً كما مرّ آنفاً، لأنّ اعتبار حصول القطع عندهم أيضاً يوجب لزوم الاختلال في نظامهم الاجتماعي و معاشهم.
رابعها: «أنّ لازم تدارك المصلحة الواقعيّة بالمصلحة السلوكيّة هو الاجزاء و عدم لزوم الإعادة و القضاء إذ لو لم يتدارك مصلحة الواقع لزم قبح الأمر بالتطرّق، و لو تدارك سقط الأمر، و المفروض أنّ المصلحة القائمة بتطرّق الطريق ليست مقيّدة بعدم كشف الخلاف، فما يظهر من التفصيل من الشيخ الأعظم (رحمه الله) و بعض أعاظم العصر ليس في محلّه» [١].
و فيه أيضاً: إنّ ما يتصوّر من المصلحة في الأمارات على نوعين: تارةً هي مصلحة تقوم مقام المصلحة الواقعيّة فإشكاله حينئذٍ وارد، فلا بدّ من القول بالإجزاء مطلقاً سواء انكشف الخلاف أو لم ينكشف، و اخرى ليست هي مصلحة تقوم مقامها و لكن في نفس الحال تكون أهمّ منها نظير العثور على الكنز لمن يحفر البئر للوصول إلى الماء، مع أنّها لا تقوم مقامها أصلًا و لا يرتفع بها الظمأ، و من هذا القبيل مصلحة التسهيل و عدم خروج الناس عن الدين في المقام، و حينئذٍ لو انكشف الخلاف و ظهرت المصلحة الواقعيّة لا بدّ من إحرازها و الحصول عليها بالإعادة أو القضاء على القول بعدم الاجزاء.
و العجب من قوله أخيراً: «و المفروض أنّ المصلحة القائمة بتطرّق الطريق ليست مقيّدة بعدم كشف الخلاف» لأنّه ليس في البين إطلاق حتّى يتمسّك به و يستفاد منه وجود المصلحة في السلوك في كلتا الصورتين بل الدليل في المقام هو حكم العقل و القدر المتيقّن منه صورة عدم انكشاف الخلاف.
بقى هنا شيء: و هو أنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا فرق في إمكان الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي و رفع المحاذير المتوهّمة بين الأمارات و الاصول فنقول في موارد الاصول العمليّة أيضاً: أنّ الحكم الواقعي إنشائي و الظاهري (أي مفاد الأصل) فعلي مع وجود المصلحة في سلوكها و من دون فرق بين التنزيلية منها و غير التنزيليّة.
هذا تمام الكلام في الأمر الثاني (أي في إمكان التعبّد بالظنّ).
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٦٤- ٦٥، طبع جماعة المدرّسين.