أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٤ - بيان المختار في المقام
فعلياً مع أنّ المفروض كونه إنشائيّاً.
و أمّا المحذور الخامس (أي تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة) فلأنّ مصلحة السلوك أهمّ فتجبر بها ما فاتت من المصلحة الواقعيّة.
إن قلت: «إنّ ما هو المجعول واقعاً طبقاً للمصالح و المفاسد و يكون مشتركاً بين العالم و الجاهل و تدلّ الأدلّة على اشتراكه بينهما و انحفاظه في مرتبة الجهل به- هو الحكم الفعلي الذي لو وصل إلى المكلّف كان داعياً له نحو الفعل أو الترك، و إنكار مثل هذا الحكم في ظرف الجهل بالحكم الواقعي و القول بأنّ الموجود في هذا الظرف مجرّد الإنشاء فقط تصويب لا تقول به الإماميّة» [١].
قلت: الباطل من التصويب على قسمين: أحدهما: محال عقلي، و الآخر: محال شرعي، أمّا المحال العقلي فهو أن يقال: إنّ اللَّه تعالى يجعل الحكم بعد اجتهاد المجتهد مع خلوّ الواقع عن الحكم قبله فإنّ هذا محال عقلًا لأنّ معناه أنّ المجتهد يجتهد و يتفحّص عن شيء لا وجود له في الواقع و الخارج، و لا إشكال في أنّ لازمه الدور المحال، و أمّا المحال الشرعي فهو أن يقال: إنّ اللَّه يجعل بعدد آراء المجتهدين أحكاماً شرعيّة، و هذا باطل إجماعاً عند أصحابنا (رضوان اللَّه عليهم)، و أمّا لو قلنا بوجود حكم إنشائي مشترك بين جميع المكلّفين و لكنّه بالنسبة إلى بعضهم بلغ حدّ الفعلية و بالنسبة إلى الباقين بقى على حاله فلا دليل على كونه من التصويب المحال بل الدليل على خلافه.
إن قلت: ما الفائدة في جعل حكم و إنشائه من دون أن يكون فعليّاً على المكلّفين؟
قلنا: فائدة هذا الحكم هي فائدة المقتضي في جميع المقامات، فإذا اجتمعت فيه شرائط الفعلية و انتفت الموانع صار فعليّاً، و لذلك لا يكون الجاهل المقصّر في الفحص اجتهاداً أو تقليداً معذوراً، و من هنا أيضاً يجب على المكلّف الإعادة بعد كشف الخلاف (بناءً على القول بعدم الإجزاء).
ثمّ إنّه في تهذيب الاصول أورد على المصلحة السلوكيّة إشكالات أربع:
أحدها: «أنّ حجّية أمارة في الشرع ليس إلّا إمضاء ما كان في يد العقلاء في معاشهم
[١] راجع منتهى الاصول للمحقّق البجنوردي (رحمه الله): ج ٢، ص ٧١- ٧٢.