أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٢ - بيان المختار في المقام
أقول: لو كان المراد من عدم وجود التضادّ في الأحكام التكليفيّة عدم التضادّ في مرحلة الإنشاء فلا بأس به، و لكن المدّعى ليس هو اجتماع الضدّين في تلك المرتبة بل أنّه بالنسبة إلى مرتبة الفعليّة، و في هذه المرتبة و إن كان الإنشاء أو الحكم أمراً اعتباريّاً و لكن له مبادٍ و لوازم حقيقية، حيث إن الحكم الفعلي لا بدّ فيه من وجود مصلحة أو مفسدة في متعلّقه كما يحتاج إلى انقداح إرادة أو كراهة في نفس المولى و بعث أو زجر، و لا يخفى أنّ المصلحة أو المفسدة و الإرادة أو الكراهة أمران حقيقيان لهما وجودان في عالم التكوين كما مرّت الإشارة إليه حينما تعرّضنا لمعنى الإمكان في هذا المبحث في جواب ما اختاره المحقّق النائيني (رحمه الله) من الإمكان التشريعي.
بيان المختار في المقام:
المختار في حلّ المشكلة هو الطريق السابع: و هو ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في رسائله، و يرجع إليه كلام كثير من الأعلام، و إليك نصّ عبارته: «أنّه (ابن قبّة) إن أراد امتناع التعبّد بالخبر في المسألة التي انسدّ فيها باب العلم بالواقع فلا يعقل المنع عن العمل به فضلًا عن امتناعه، و إن أراد الامتناع مع انفتاح باب العلم و التمكّن منه في مورد العمل بالخبر فنقول: إنّ التعبّد بالخبر حينئذٍ بل بكلّ أمارة غير علميّة يتصوّر على وجهين:
الوجه الأوّل: أن يكون ذلك من باب مجرّد الكشف عن الواقع فلا يلاحظ في التعبّد بها إلّا الايصال إلى الواقع، فلا مصلحة في سلوك هذا الطريق وراء مصلحة الواقع، و الأمر بالعمل في هذا القسم ليس إلّا للإرشاد، و هذا الوجه غير صحيح مع علم الشارع العالم بالغيب بعدم دوام موافقة هذه الأمارة للواقع.
الوجه الثاني: أن يكون ذلك لمدخلية سلوك الأمارة في مصلحة العمل بها و إن خالف الواقع فإنّ العمل على طبق تلك الأمارة يشتمل على مصلحة فأوجبه الشارع، و تلك المصلحة لا بدّ أن تكون ممّا يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع و إلّا كان تفويتاً لمصلحة الواقع و هو قبيح، و المراد بالحكم الواقعي الذي يلزم بقائه هو الحكم المتعيّن المتعلّق بالعباد الذي يحكي عنه الأمارة و يتعلّق به العلم أو الظنّ و إن لم يلزم امتثاله فعلًا في حقّ من قامت عنده أمارة على خلافه، و يكفي في كونه الحكم الواقعي أنّه لا يعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلًا مقصّراً.
و الحاصل: أنّ المراد بالحكم الواقعي هي مدلولات الخطابات الواقعيّة غير المقيّدة بعلم