أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٢ - و أمّا الأمر الثاني في إمكان التعبّد بالظّن
الإخبار عن اللَّه تعالى، و التالي باطل إجماعاً، و وجه الملازمة أنّ حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد.
و الصحيح في الجواب عنه (كما سيأتي في مبحث خبر الواحد) أنّه قياس مع الفارق، لأنّ التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن اللَّه تعالى ملازم لدعوى النبوّة، و هي من اصول الدين، التي تحتاج إلى دليل قطعي.
و أمّا الثاني: فهو أنّ جواز التعبّد بالظنّ موجب لتحليل الحرام و تحريم الحلال إذ لا يؤمن أن يكون ما أخبر مثلًا بحلّيته حراماً و بالعكس.
أقول: كلامه هذا مبهم يحتاج إلى مزيد توضيح فنقول: إنّ تحليل الحرام أو تحريم الحلال اللازم من جواز التعبّد بالظنّ يستبطن بنفسه محاذير خمسة عقليّة:
أحدها: اجتماع النقيضين في صورة عدم إصابة الظنّ بالواقع، و اجتماع المثلين في صورة الإصابة، و هذا بالنسبة إلى نفس الحكم.
ثانيها: اجتماع الضدّين في نفس المولى في صورة الخطأ و هو اجتماع الإرادة و الكراهة لأنّ الأمر ينشأ من الإرادة و النهي ينشأ من الكراهة و هذا يكون بالنسبة إلى مبادئ الحكم.
ثالثها: اجتماع الضدّين من المصلحة و المفسدة في صورة الخطأ، و يكون بالنسبة إلى متعلّق الحكم.
رابعها: التكليف بما لا يطاق، لأنّ الحكم الواقعي يكلّف الإنسان بالفعل في مفروض الكلام، و الظاهري يكلّفه بالترك مثلًا، و الأمر بهما يستحيل على الحكيم الخبير.
خامسها: الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة في صورة الخطأ.
و لا يخفى أنّ جميع هذه المحاذير مبني على بقاء الحكم الواقعي في مورد الأمارة على قوّته كما هو الصحيح لأنّ ارتفاع الحكم الواقعي يستلزم التصويب الباطل عندنا.
و لقد حاول جميع العلماء بعد ابن قبّة رفع هذه المحاذير، و كلّ سلك في حلّها طريقاً خاصاً، و هذا هو الذي يسمّى عندهم بمسألة الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي.
و من الطرق طريق المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و منها ثلاث طرق ذكرها في درر الفوائد التي حكى اثنين منها من استاذه السيّد السند المحقّق الفشاركي (رحمه الله)، و منها طريق المحقّق النائيني (رحمه الله) و طريق سادس ذكره في تهذيب الاصول، و هاهنا طريق سابع يستفاد من كلمات شيخنا الأنصاري (رحمه الله) و هو المختار.