أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧١ - و أمّا الأمر الثاني في إمكان التعبّد بالظّن
و سيزول بالتأمّل و يرجع إلى أحد الأقسام الاخر، و لذلك عبّر الشيخ ب «كلّما قرأ سمعك».
و كذلك الإمكان العادي لأنّ العادة لا يمكن أن تقع موضوعاً للأدلّة العقليّة، و أيضاً الإمكان الذاتي لأنّه لا شكّ لأحد في أنّه لا مانع في إمكان التعبّد بالظنّ ذاتاً و أنّ حجّية الظنّ ليست كاجتماع النقيضين، فيتعيّن حينئذٍ الإمكان الوقوعي، فالمراد بالإمكان في المقام هو الوقوعي في مقابل من يدّعي الامتناع الوقوعي كابن قبّة [١] من قدماء الأصحاب.
و من العجب أنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) ذهب إلى «أنّ المراد من الإمكان المبحوث عنه في المقام هو الإمكان التشريعي، بمعنى أنّ من التعبّد بالأمارات هل يلزم محذور في عالم التشريع من تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، و استلزامه الحكم بلا ملاك، و اجتماع الحكمين المتنافيين و غير ذلك من التوالي الفاسدة المتوهّمة في المقام، أو أنّه لا يلزم شيء من ذلك؟ ثمّ قال: و ليس المراد من الإمكان هو الإمكان التكويني بحيث يلزم من التعبّد بالظنّ أو الأصل محذور في عالم التكوين، فإنّ الإمكان التكويني لا يتوهّم البحث عنه في المقام و ذلك واضح» [٢].
و لكن لا يخفى ما فيه من أنّ كون موضوع الإمكان و الاستحالة أمراً تشريعياً لا يقتضي خروج إمكانه عن التكوين إذا كان المحذور على كلّ لزوم اجتماع الضدّين في عالم التكوين أو صدور القبيح من الحكيم الذي يستحيل صدوره منه تكويناً أيضاً.
و بعبارة اخرى: المحذورات الخمسة التي سيأتي في بحث اجتماع الحكم الظاهري و الواقعي و كذلك شبهة ابن قبّة، كلّها ترجع إلى محذورات تكوينية ناشئة عن تشريع العمل بالظنّ فراجع و تدبّر.
و الإنصاف أنّه لا معنى للإمكان التشريعي في مقابل الامتناع التشريعي إلّا حكم الشارع بالإباحة في مقابل الحرمة، و أين هذا ممّا نحن بصدده.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ابن قبّة خالف إمكان حجّية خبر الواحد و استدلّ له بدليلين:
أحدهما مختصّ بخبر الواحد، و الآخر عام يشمل جميع الأمارات الظنّية.
أمّا الأوّل: فهو أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبي ٦ لجاز التعبّد به في
[١] هو من عيون الأصحاب و صالحيهم و كان معاصراً للشيخ المفيد (رحمه الله) و الشيخ كان يروي عنه و كان من تلاميذه و هو صاحب كتاب الإنصاف، و كان فقيهاً متكلّماً، و قيل أنّه كان معتزلياً ثمّ استبصر.
[٢] فوائد الاصول: ج ٣، ص ٨٨، طبع جماعة المدرّسين.