أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥١ - المسألة السابعة هل القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة، هو حجّة؟
و من المعلوم عدم وقوع الخلاف بين العلماء أو الخطأ في نتائج الأفكار في القسمين الأوّلين، بخلاف القسم الثالث حيث وقعت الاختلافات و المشاجرات الكثيرة الشديدة بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية و الطبيعية و بين علماء الإسلام في اصول الفقه و مسائل الفقه و علم الكلام و غير ذلك، و السبب في ذلك بُعد هذه العلوم عن الإحساس فلا بدّ في إثباتها من المنطق، و القواعد الفقهيّة عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة.
و يمكن أن نضيف إلى ما ذكره: أنّ العلم الإجمالي بوقوع الخطأ في هذا القسم مانع عن حصول القطع في مسائله، لأنّ الموجبة الكلّية لا تجتمع مع السالبة الجزئيّة كما مرّ، و هذا يقتضي أن يتبدّل علمنا التفصيلي بكلّ واحد من تلك المسائل إلى الظنّ و يرجع هذا إلى عدم حجّية إدراكات العقل في غير المحسوسات و ما تكون مبادئه قريبة من الإحساس.
و المحقّق الخراساني (رحمه الله) تجاوز هذا الوجه اتّكالًا على أنّ النزاع مع هذا المحدّث نزاع صغروي، لكننا نعتقد بأهميّته لأنّه على أي حال سواء كان النزاع في الصغرى أم في الكبرى يوجب عزل العقل بالمرّة عن الإدراك و الحجّية، فلا بدّ من حلّه و الجواب عنه.
فنقول يرد عليه:
أوّلًا: إنّ ما ذهب إليه من عدم وقوع الخطأ في الحسيّات و ما ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس ممنوع بالوجدان لوقوع الخطأ الكثير في المبصرات و المسموعات و غيرها الحواس، فيقطع الإنسان مثلًا بوصول الماء إلى البشرة في الوضوء ثمّ ينكشف خلافه تفصيلًا أو إجمالًا، و هكذا في الرياضيات فينكشف الخلاف مثلًا في جمعه و تفريقه و إن لم يظهر الخطأ في قواعده.
ثانيا: أنّ كلامه يوجب بطلان نفسه، لأنّ استدلاله ليس من الحسّيات و لا من الرياضيات بل داخل في القسم الثالث الذي لا يحصل القطع فيه عنده.
ثالثاً: ما مرّ سابقاً من أنّ القطع الحقيقي و إن لم يكن في بعض العلوم النظريّة إلّا أنّه لا إشكال في حصول القطع العادي العرفي الذي استقرّت سيرة العقلاء على حجّيته و قد أمضاها الشارع أيضاً.
هذا كلّه في المقام الثاني.
أمّا المقام الثالث: فهو في روايات استدلّوا بها على عدم حجّية العقل، و هي المهمّ في المقام